فهرس الكتاب
وقد استمرت الشكوى من تعسر النحو، فهذا الإمام عبد القاهر الجرجاني (471هـ) في القرن الخامس الهجري قد أشار في كتاب (دلائل الإعجاز) إلى أن النحاة قد انتهوا حينًا إلى ضرب من التكلف ولون من التعسف، كما أشار إلى أن وراء كل فساد في النظم إغفالًا لحكم من أحكام النحو، وكل صحة تحقيقًا لهذا الحكم حين قال في كتابه هذا:"فلست بواجد شيئًا يرجع صوابه، إن كان صوابًا، إذ خطؤه إن كان خطأ، إلى النظم، إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه، أو عومل بخلاف هذه المعاملة فأزيل عن موضعه واستعمل في غير ما ينبغي له، فلا ترى كلامًا قد وصف بصحة النظم أو فساده أو وصف بمزية أو فضل فيه، إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزية، وذلك الفضل، إلى معاني النحو وأحكامه ووجدته يدخل في أصل من أصوله، ويتصل بباب من أبوابه..". وهكذا أذكى الجرجاني العين، بما تقدم من كلامه، على أن موضوع النحو أشمل من أن يحد ببحث أواخر الكلم وعلامات الإعراب اتقاء للحن، وأنه لابد أن يتجاوز ذلك فيشمل الكشف عن أسرار النظم وأغراضه ودواعيه، إذ لا يجوز أن يتحول النحو من البحث في صحة تأليف الكلم للتعبير عما في النفس من أغراض، إلى البحث في ضبط الأواخر إعرابًا وبناء، وقصره على ما يتصل بذلك، ثم بسط الكلام في عوامل هذا الضبط والإسهاب في تعليله بالجدل النظري.