فهرس الكتاب
وأكثر ما يؤذي مثل هذه اللغة المختارة الواضحة الدقيقة السليمة من كل انحراف عن أصولها الأولى، جماعة من المترجمين قد جروا في ترجمتهم إلى العربية على أن يأتوا بألفاظ من العربية ترادف في الدلالة أصلًا ألفاظ الجملة الأجنبية المترجمة، فيضموا بعضها إلى بعض كما ضمت في النص المترجم، دون أن يراعوا في ذلك خواص النظم والإسناد والمجاز في العربية، فيقع في ما ترجموا الخلل والفساد، لتغاير أصول التعبير في اللغتين. وهم لو تدبروا الجمل الأجنبية فتصوروا معانيها في أذهانهم، ثم أتوا بكلام عربي سديد يعبر عما تصوروه من هذه المعاني، سواء أساوقت ألفاظ النص الأجنبي أم لم تساوق، لأصابوا ووقعوا على الغرض، دون أن يغشى أداءهم اضطراب أو قلق أو تعقيد بادي التكلف، أو لبس في الفهم وغموض في القصد. ولابد أن يلاحظ المترجم أنه إذا ترادف لفظ أجنبي ولفظ عربي في موقع من التعبير فلا يشترط أن يتفق لهما ذلك في موقع سواه.
*الموقف من التراث البلاغي:
لا بأس أن نعيد هنا ما ذكرناه في الكلام عن التراث النحوي، فنحن إذا أقبلنا على التراث البلاغي لنَسَعه خبرًا ونعيه فهمًا فإننا لا نُقبل عليه لنأخذ به ونحتذيه دون نظر أو تدبر، وإنما نبتغيه ابتغاء معالجة واصطفاء فنصرّف فيه أعنة الفكرة ذلك أن علينا أن نتفهم ما انتهى إليه أسلافنا في ما وضعوه وحققوه في هذا المضمار فلا يغيب عنا شيء مما أحاطوا به من أصول علوم البلاغة وفروعها ووقفوا عليه من دقائقها وغوامضها، ثم نعيد النظر في ذلك كله فلا نجمد فيه ولا نلبث عنده، على ما انطوى عليه هذا التراث البلاغي من نهج علمي بارع وما جادت به قرائح الأوائل في ما اتخذوه لعلومه من حدود مرسومة ومعالم واضحة، سعيًا وراء تقويم اللسان العربي لفظًا والافتنان في صوغ أساليب التعبير وتقويمها وتذوق ما تشف عنه من جمال الصورة وحسن الأداء.