فهرس الكتاب

الصفحة 10550 من 23694

ولا يظنن ظان أن السبيل إلى إتقان العربية مقصور على دراسة العربية بدراسة علومها، فقد لا يُغني الكاتب أن يحيط بالنحو ليُحسن التعبير ويجيد السبك. قال ابن خلدون عبد الرحمن (808هـ) في مقدمته:"إن العلم بقواعد الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل، وليس هو نفس العمل، ولذلك نجد كثيرًا من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية.. إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودة أو شكوى.. أو قصد قصدوه.. لم يُجد تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي...". ذلك أن إتقان العربية بالوقوف على أنماط التعبير فيها وأساليب التأليف إنما ينبغي أن يعوّل فيه أول الأمر على اكتساب الملكة اللغوية واختزان حسّها. ويتم ذلك بالممارسة والرياضة، أعني أن الوسيلة المختارة إلى إحسان الأداء وإحكام البيان، بعد الإلمام بقواعد العربية، أن يكثر العربي سماع العربية من أربابها وفرسانها، ويكون لحفظه حظ وافر من أقوالهم فتتسع روايته لأمثالهم وأشعارهم، فيعي بذلك نظام صوغهم ومتصرف قولهم وينهج سبيل الفصحاء في تأليف الكلام نثرًا ونظمًا، وتتأتى له بهذا ملكة لغوية يتحرك بها لسانه سليقة وطبعًا وتتفتق بها قريحته سجية وطوعًا، فيحس بما يستملح من القول وما يُستعذب، وما يمج منه وما يستهجن. قال أبو عثمان الجاحظ عمرو بن بحر (255هـ) في البيان والتبيين:"ليس في الأرض كلام أمتع ولا أنفع، ولا آنق ولا ألذ في الأسماع، ولا أشد اتصالًا بالعقول السليمة ولا أفتق للسان ولا أجود تقويمًا للبيان من طول استماع حديث الأعراب العقلاء والفصحاء".

ولاشك أن ما جاء بحكم الفطرة تسنى بلا عسر ولا مشقة، وما جاء على جهة التكلف والتحصيل لم يخل من جهد وعناء. وإذا واتت الملكة اللغوية نطقًا وكتابة خرجت على حظ من الإحسان والجمال فتأتت بها ديباجة مشرقة وصيغ مونقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت