فهرس الكتاب

الصفحة 10564 من 23694

فثبت بهذا أن العربية لم تجمد مع ظهور الإسلام وما تلاه من العصور، بل تطورت ونمت من حيث اللفظ فاتسعت مادتها وكثرت مفرداتها بالاشتقاق والتعريب والقياس والتوليد فاستوعبت كل ما تطلبته شؤون الحضارة من معان جديدة تضمنتها الكلم العربية بتدرج معانيها الأولى في العقيدة والفلسفة والعلوم والفنون والآداب.

وهكذا فإن سر اللغة إنما يقوم في مهمتها التصويرية، أي في عكس صور الواقع عكس المرآة، فاللغة التي تعجز عن رسم مثل هذه الصور إنما تنكفئ عن الاضطلاع بمهمتها. ولعل هذا ما عناه جابر بن حيان في كتابه الميزان حين قال:"إن تركيب الكلام يلزم أن يكون مساويًا لكل ما في العالم من نبات وحيوان وحجر". وقد جعل الدكتور زكي نجيب محمود مذهب العالمين فتجنشتين وبرتراند رسل وغيرهما من فلاسفة التحليل، في أن ما تقوم به اللغة في الأصل إنما هو ضرب من التصوير، جعل ذلك من قبيل مذهب ابن حيان هذا. (جابر بن حيان للدكتور زكي نجيب محمود -ص/112) .

يقول الأستاذ هاميلتون، على ما حكاه الأستاذ آ.كوفيليه في كتابه (دروس الفلسفة) :"لابد للرقي الفكري من رموز يثبت بها. فالرمز يُقر كل خطوة من خُطا تقدمنا، ويفسح لمنطلق جديد ومراحل جديدة. فإذا استطاع جيش أن يظهر على بلد من البلدان فإن ظهوره لا يعد فتحًا وتملكًا قبل أن ينشئ الحصون، وكذلك الألفاظ إنما تتخذ لتكون حصونًا للأفكار".

وقد أشار العلماء إلى هذه (الثنائية) القائمة بين اللغة والعالم الخارجي، حين أوضحوا أن الرمز اللغوي، أي الألفاظ، شيء، والمرموز إليه، أي المسميّات في ذلك العالم، شيء آخر، فالألفاظ وهي الرموز هي حصون المسميّات أي الأفكار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت