فهرس الكتاب
وقد استطاعت العربية بخصائصها التي ذكرنا أن تستجيب لسائر دواعي البيان فتلبي حاجة النفس والفكر فيما يستدق ويستجد من المشاعر والمعاني فتتدفق تدفق الحياة وتتجدد تجدد مطالبها ودواعيها، جيلًا بعد جيل، وقد شهد بذلك غير باحث من كتاب الغرب، ومنهم الباحث المشهور جورج سارتون، وقد أسمى علماء المسلمين في القرون الوسطى عباقرة الشرق، وذكر لهم مآثرهم في وضع أعظم المؤلفات وعقد أكثر الدراسات أصالة وعمقًا باللغة العربية. وكانت العربية لغة العلم للعالم منذ منتصف القرن الثامن للميلاد إلى نهاية القرن الحادي عشر، وكان لابد لمن ابتغى الوقوف على ثقافة ذلك العصر أن يُلمّ بالعربية. هذا ما جاء في كتاب (مهد الحضارة العربية في الشرق الأوسط) للباحث المذكور. وقد فصل الكلام فيه الأستاذ أحمد أبو زيد في مجلة عالم الفكر (العدد الأول من مجلدها الثامن) . وجاء في ترجمة هذا الكتاب للأديبة الأستاذة فاطمة عصام صبري:"لقد كانت العربية حقًا في إبان العصور الوسطى أكبر لغة عُرفت حتى ذلك الحين انتشارًا، إذ كان يتداولها بالكلام والكتابة أمم كثيرة في الشرق والغرب، وزيادة على ذلك، وعلى خلاف اللاتينية، كانت تتداولها أيضًا شعوب تدين بأديان متعددة -مجلة التراث العربي- بدمشق- تموز 1989".
وقد أصاب الدكتور محمد عبد الرحمن مرحبا حين قال في فصله الممتع (مدخل إلى تراث العربي العلمي) :"وغني عن البيان أن اللغة العربية هي اللغة الوحيدة التي اختارها هذا التراث للتعبير عن شؤونه وشجونه ومواقعه ومعانيه ونتائج تجاربه وخبراته. فإن ما كتب بالعربية من الأدب والفلسفة والطب والتاريخ والعقائد والفقه والفلك والرياضة والزراعة والصناعة والاجتماع والسياسة والعلوم الأخرى، في ما بين القرن الأول والقرن السابع للهجرة... فاق ما كتب بأي لسان -مجلة الفيصل- العدد/ 24-1979".