فهرس الكتاب

الصفحة 10566 من 23694

وإذا أخذنا بمفهوم الحضارة عند بعض المتخصصين حين يقصرونها على الآلة والعلوم التقنية والكشوف والمخترعات، وكان محتوى الثقافة هو الفكر بمختلف وجوهه من لغة وعقيدة وأدب وتاريخ، أقول إذا أخذنا بمفهوم هؤلاء المتخصصين، بدا لنا أن ثقافة العرب إنما تتميز بطابع مزدوج واضح المعالم والملامح في الملاءمة بين الروح والمادة وبين العقل والضمير، على حين تتسم ثقافة الغرب بغلبة طابعها المادي. وإذا آل الأمر يومًا إلى حضارة عالمية مشابهة، فلابد أن تبقى ثقافتان. وإذا استيسر للعرب النقل والاقتباس من حضارة الغرب، فقد يتعذر عليهم النقل والاقتباس من ثقافة هؤلاء بالمحاكاة. وإذا تم بين العرب والغرب أخذ وعطاء في هذا الميدان، ففي القالب غالبًا والشكل والإطار أكثر منه في اللباب والجوهر والمضمون. وإذا كنا لحضارة الغرب مستقبلين فنحن لثقافتهم متدبرون متبصرون، أكثر منا مضارعين محاكين، ولعل هذا هو النهج القويم. ولا يمنع ذلك من الحوار بين الثقافات، بل هو ضرورة لابد للإنسانية من تحقيقها. ويدخل في هذا الإطار ما عقد من الدراسات على ما أسموه (الأدب المقارن) ، وهو يتناول (التأثيرات المتبادلة) بين آداب الشعوب، بل بين جوانب المعرفة المختلفة بين الشعوب، والكشف عن مدى التفاعل بين ثقافاتها، ومن ثم اقترح بعضهم الاستعاضة عن اصطلاح (الأدب المقارن) بالتفاعل المتبادل أو التأثير المتبادل بين الآداب والثقافات عامة. ولابد أن يسفر هذا عن دراسة التطور الاجتماعي التاريخي للإنسانية. وتمس الحاجة هنا إلى التمييز بين ما يعنيه التأثير، وما يعنيه الاقتباس والمحاكاة. وقد تجلت فعلًا (إيحاءات عربية إسلامية) في نتاج بعض أدباء العالم، لاسيما أدباء الروسية. وبسط القول في هذا الدكتور مكارم الغمري في كتابه الحديث (مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي/ 1991) .

*بناء المعاصرة اللغوية على الأصالة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت