في العنوان مصطلح أعده مفتاح الموضوع، هو"النهضة"، ماذا نقصد به مفهومًا وزمانًا ومكانًا؟ حين يستعمل هذا المصطلح في الثقافة الغربية ينصرف الذهن مباشرة نحو القرن السادس عشر حين بدأت النهضة الأوروبية بالرجوع إلى التراث اليوناني وإحيائه، كما بدأت بالصراع الذي قام بين الكنيسة والدولة، وبالانكباب على العلم المادي والانصراف إليه أيضًا. وبعد القرن السادس عشر- أي بعد عصر النهضة- جاء عصر التنوير أو الأنوار (القرن الثامن عشر) ، فعصر الحداثة (القرن التاسع عشر) ثم ما بعد الحداثة (القرن العشرون) . هكذا تتباين المصطلحات وتتمايز وفق العصر وحركة الواقع دون أن تتداخل. أما في ثقافتنا العربية فإن المصطلح ليست له هذه الدقة في المفهوم والزمان والمكان. لقد ارتبط المصطلح لدينا -دلاليًا- بالمؤثر الخارجي، أي بالثقافة الوافدة مع الحملة الفرنسية في بداية القرن التاسع عشر، ثم ارتبط بالعودة إلى الينابيع والجذر التراثي مع نهايته، ارتبط باليقظة وبالنهوض ومحاولة الاعتماد على الذات والإفادة من الآخر، وما تزال هذه العناصر والقضايا مطروحة على الساحة حتى الوقت الراهن، ومن هنا أزعم أن مصطلح عصر النهضة لدينا هو أقرب إلى أن يكون مفهومًا حضاريًا ينحو نحو التطور والتغير، هو مشروع كبير للأمة العربية فيه جزء واقعي، وفيه أجزاء مستقبلية تصبو نحو التحقق، أو هي أحلام وهموم تنزع إلى أن تتحقق في المستقبل. ولعل استمرار النهضة حتى اليوم بما يسمى الحداثة أو النهضة الثانية لأكبر دليل على تداخل دلالات المصطلح أولًا، وعلى أنه مصطلح خلافي ثانيًا، وعلى أنه مصطلح مفتوح باستمرار نحو المستقبل ثالثًا.