فهرس الكتاب
لا يجد قارئ الجليس والأنيس موضوعًا سار عليه مؤلفة، ولكنه قسمه تقسيمًا هندسيًا يذكرنا بكتاب الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي معاصر المعافى، فالكتاب مائة مجلس وكل مجلس من هذه المجالس يبدؤه المعافى بحديث يرويه عن الرسول ( يفسر ما جاء فيه من الغريب ثم يسترسل فيما شاء الله له من أخبار لا تقيده في ذلك وحدة الموضوع إلا ما جاء عفو الخاطر كما جاء في الباب الحادي والسبعين حيث ربط بين حديث الرسول ( عن الغناء وبين خبر طويل عن المغني اسماعيل بن جامع نفيد منه أن الرشيد كان ذواقة للغناء يشجع المغنين ويبعد عنهم الفاقة والعوز ويكفيهم السعي في طلب الرزق، وكأني بالمعافى أراد حين قدم هذا الخبر -أن يقارن بين حال الأدباء والعلماء وما كانوا يلقون من رعاية وتكريم في عصر الرشيد وبين البؤس والفاقة التي كانوا يعانون منها في القرن الرابع يقول:"فرأيت أن أرسمه هاهنا إذ هو مما يستحسنه ويصغي إلى استماعه ذوو الفضل من الأدباء، وينشط للوقوف عليه أولو الحجى من الرؤساء".
والحقيقة أننا نخرج من الخبر وملء أسماعنا، وأبصارنا صور من حضارتنا العربية ومجالس أنسها، وربما أغمض أحدنا عينيه عله يفلت من عنصر الزمن فيعيش، ولو فترة قصيرة في ذلك العز المسيطر والحضارة الوارفة، أو يسمع على الأقل صوت ابن جامع، هذا الذي أحيا الرشيد ووزيره جعفر ليلهما في الاستماع إليه.