اللسانيات، بصفتها علمًا، جاءت من أجل تبني صيغة علمية بمفهوم العلم الفيزيائي، وذلك من أجل معرفة كيفية عمل اللغات البشرية بدقة وضبط وموضوعية مطلقة، وذلك للاستفادة من نتائج هذه المعرفة اللغوية وتوظيفها في مجال الحضارة والتكنولوجيا المعاصرة. ولكي تستطيع اللسانيات أن تكون علمًا قائمًا برأسه مستقلًا عن بقية العلوم الإنسانية والطبيعية الأخرى، فلابد لها من أن تستفيد من المعارف والنظرات اللغوية والتراثية سواء أكانت عربية أم غير عربية.
وهكذا فإن المعارف اللغوية الموجودة في التراث الهندي والبابلي والإغريقي والروماني والعربي ثم جهود الباحثين في القرن الثامن والتاسع عشر إنما كانت معارف لغوية مهمة جدًا للسانيات.
ولكن فضيلة التراث اللغوي العربي تأتي من حقيقة أن الأيديولوجية الحضارية العربية الإسلامية كانت أعلى في الوتيرة الفكرية وأنفذ في الرؤية المستقبلية. لذلك كانت استفادة اللسانيات من التراث اللغوي العربي أكثر من غيره على الرغم من أن بعض الباحثين اللسانيين الغربيين لا يعترفون بهذه الحقيقية، ذلك لأن حجتهم هي أن التراث اللغوي العربي إنما هو انعكاس وحفظ للتراث اللغوي الإغريقي إلا في بعض فرضياته الدلالية الجديدة.
على أية حال، لقد أثبت باحثون لسانيون غربيون معتدلون ومنصفون (أمثال روبنز وتشومسكي وكوك) تأثر اللسانيات الحديثة بالتراث اللغوي العربي وذلك عن طريق وسائل مختلفة سواء أكانت مباشرة (الاطلاع على التراث اللغوي العربي باللغة العربية) أم غير مباشرة (عن طريق ترجمة أعمال النحاة واللغويين والبلاغيين العرب إلى لغات أجنبية كثيرة وخاصة اللغة الألمانية) .