فهرس الكتاب

الصفحة 10633 من 23694

إن الفكرة الرئيسية هنا هي أن اللساني ينطلق من الجزء لينتهي بالكل. الجزء هو اللغات البشرية كلها. الكل هو أنظمة هذه اللغات البشرية وقوانينها. إن الجزء والكل هما اللذان يعطيان اللسانيات الحديثة شرعيتها لتكون علمًا قائمًا برأسه.

في التراث اللغوي القديم (عربيًا كان أم غير عربي) لم تكن هناك وسائل علمية سريعة لفحص اللغات البشرية كلها وتحليلها ومعرفة سر حركيتها وعملها من أجل أن نستفيد منها تقنيًا وتكنولوجيًا، وإلا فكيف يمكننا الآن وبفضل اللسانيات الحديثة أن نصمم آلات تكنولوجية (مخابر صوتية) أو حاسبات الكترونية (كومبيوتر) لتلائم مثلًا لغتين أو لغات عدة من أجل أن نقوم بعملية الترجمة الآلية كما هو الحال في مشروع لغات السوق الأوربية المشتركة؟ ثم كيف يمكننا وبفضل اللسانيات الحديثة أن نصوغ جميع اللغات البشرية صياغة رياضية صوتيًا وتركيبيًا ودلاليًا؟. لم يكن هذا الأمر ممكنًا في القديم ذلك لأن إمكانات فقه اللغة أو الدراسات اللغوية القديمة إمكانات بدائية تتلاءم مع العصر الذي أفرزها.

هذه الحقيقة العلمية تؤيد حقيقة أخرى فلسفية كان وضعها الفيلسوف اليوناني القديم هيرقليطس وهي"انك لا تستطيع أن تستحم بماء النهر مرتين". من هنا فإنه من الخطأ العلمي أن نحمّل التاريخ الحضاري وزرًا فوق وزره. لندع التاريخ الحضاري يفرز حقائقه من الواقع والزمن الذي كان يعايشه دون أن نسقط عليه حقائق معاصرة لرغبة قومية أو نزعة دينية أو تحمس عاطفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت