والتراث بأقسامه المختلفة لا يعتبر ملكًا خاصًا وثابتًا لكل شعب، بل يتطور مع تطور أحوال الشعوب، وذلك تبعًا للظروف البيئية والاجتماعية التي تعيش فيها، وتبعًا للتقدم العلمي والثقافي لأفراد كل شعب. وكثيرًا ما تتبنى الشعوب الضعيفة عادات وتقاليد الشعوب الخاضعة لنفوذها. كما أن حب التقليد والتطور كثيرًا ما يسري إلى أفراد الشعوب القوية، فتقتبس بعض العادات والتقاليد الموجودة عند شعوب أدنى منها حضارة. والمدارس الفنية الحديثة، والتي تعنى بالرسم، كالانطباعية والتجريدية والتكعيبية، أو التي تعنى بالموسيقى والرقص، كالجاز والروك أندرول، تعتبر أمثلة حية لتقليد الشعوب المتحضرة لشعوب ابتدائية أو في طريق التطور.
أما التراث العلمي والمهني فهو من الأسرار التي كانت ولما تزال تحافظ عليها الشعوب. فعلوم الطب والصيدلة والفلك والتعدين والصباغة وغيرها، تعتبر مهارات واكتشافات حصلت عليها بعض الشعوب أو بالأسر، فاحتكرت مزاولتها، ولم تتنازل عنها وتكشف سترها، لأنها مصدر ثروتها ومكانتها، ولكن المغريات المادية أو تسلط القوى القاهرة، جعل أصحاب تلك المهارات يتنازلون عن حقوقهم راضين أو مرغمين. وفي التاريخ أمثلة كثيرة على شعوب قوية استطاعت عن طريق الحرب أن تسوق الآلاف من المهرة من العلماء والفنيين والمهنيين، ليعملوا في أعمار بلادها في مجال الزراعة والصناعة والبناء والزخرفة.
وللكلام عن التراث العربي سنقصر القول على القسم العلمي فيه فقط، لأن الكلام عن جميع أقسامه، ولو بصورة مجملة، يحتاج إلى عدة باحثين، كل واحد منهم يبين أهمية هذا التراث بحسب اختصاصه.