فهرس الكتاب

الصفحة 10721 من 23694

كما يحدث عن نفسه أبو تمام: ... على أن غيري واجد فيه مسبحا

فيالك بحرًا لم أجد فيه مشربًا

كما يلتاع ويلتاح ابن الرومي. هذه الشكاة المترددة والمتواترة تؤلف موضوع كتاب في الأدب العربي. ... ويجمعنا في أرض برشهر مشهد

على أني أترك حلبتي الكفاح هاتين لأفصل بعض الشيء في وصف حلبة ثالثة ليست أقل خطرًا ولا أوهى شررًا ولا أخف ضررًا. ألا وهي علاقة العالم بالعالم والأديب بالأديب والمفكر بالمفكر، إذ يدبّ الشنآن بينهم بدل العرفان، والتشادُّ عوض التساند. إن مشاعر الإنسان لتبدو أحيانًا غريبة متناقضة مرتبكة. فقد يشعر المرء بقوته ويدرك مزاياه ولكنه يحسب أنها مقصورة عليه وخاصة به لا يجوز لأحد أن يشاركه فيها كأنه على حد تصوره وفي حيز توهمه إله صغير متفرد. هيهات هيهات! ولا يكاد ينتبه للفروق بينه وبين رصفائه وإخوانه، وهي التي تجمعهم لتحقيق كمالهم معًا. فإن نجاحهم يدعم نجاحه ونجاحه يقوي نجاحهم ويزيد فيه.

مثل الأديب في تلك المشاعر المحدودة الضيقة مثل الطير الجميل أبي الحناء، أو أبي الحن كما ندعوه هنا في ربوع الشام. إنه معجب بذاته. جناحاه تقول ذهبتهما الشمس أي تذهيب، وصدره يمثل بلونه الأحمر وهج قلبه الخفاق الملهم. يعيش منفردًا في روض أو بستان. فإن هبط البستان أو الروض أبو حن آخر فيا للويل! يطير إليه كالسهم المريش منقضًا على زينة صدره الحمراء يفتك بها. كيف استطاع طير آخر من نوعه أن يحرز هذه الشارة البديعة وأن تكون له تلك المزايا؟ كأنه لا يفطن للفروق العميقة التي تفصل بين كائن وآخر والتي يصح أن تكون سببًا للتتامّ والانسجام وللتآزر والالتئام!

كم يعرض علينا تاريخ الفكر الإنساني أمثلة غريبة لهذا التنافر بين رجال الفكر يهدر طاقاتهم ويبدد قواهم!..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت