فهرس الكتاب
دعوا عالم الفكر الغربي. فتراثنا أوسع وأحفل بالأمثلة من كل نوع. ربما يبتدر الذهن في الغابر خصومة جرير والفرزدق والأخطل أو البحتري وابن الرومي أو ابن الرومي والأخفش الأصغر أو المتنبي وحسدته في بلاط سيف الدولة، كما يبتدره في القريب الحاضر خصومة شوقي والعقاد وطه حسين ومصطفى صادق الرافعي. ولكني أترك ماهو مشهور إلى ماهو متوارٍ في سواد الأسفار. إنني أتخطى القرون لأصل إلى أبي عبيدة مَعمر بن المثنى البصري. كان واسع المعرفة. ذكر ياقوت قول الجاحظ فيه:"لم يكن في الأرض خارجيٌّ ولا إجماعي أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة". وكان يتّهم بأنه خارجي أو بأن هواه معهم. ولكنه مع سعة معرفته اشتهر بحدة لسانه وسلاطته. ذكر ياقوت أنه:"لم يحضر جنازته أحد لأنه لم يكن يسلم من لسانه أحد لا شريف ولا غيره". وروى ياقوت أيضًا:"كان الأصمعي إذا أراد الدخول إلى المسجد قال: انظروا لا يكون فيه ذاك.". يعني أبا عبيدة. ثم إني لأتخيل العَلَمين العالمين الكبيرين أبا العباس محمد بن يزيد المبرّد إمام المذهب البصري وأبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبًا أمام المذهب الكوفي. كناهما في واحدة. ذكر السيوطي في المزهر أنه"حيث أطلق البصريون أبا العباس فالمراد به المبرد. وحيث أطلقه الكوفيون فالمراد به ثعلب". ضربت الشحناء بينهما على ألا يلتقيا أبدًا. فأصبحا مثلًا في التدابر مع أن كل شيء كان يدفعهما إلى التعاون وتقدير أحدهما الآخر. فقد نشأا فقيرين وبرّزا في ميدان العلم وصعدا في سلم الحياة الاجتماعية، وهما يسعيان في مضمار واحد وهو اللغة والنحو والأدب وأمثالها. وقد تنادر شاعر غزل على هذا التباعد في البلد الواحد، فكتب إلى حبيبته بهذه الأبيات:
كفى حزنًا أنا جميعًا ببلدة
وكلٌ لكلٍ مخلص الود وامق ... ولكنّه في جانب عنه مفرد
نروح ونغدو لا تزاور بيننا ... وليس بمضروب لنا منه موعد
فأبداننا في بلدة والتقاؤنا ... عسير كأنا ثعلب والمبرّد