فهرس الكتاب

الصفحة 10724 من 23694

ولكن ثعلبًا والمبرد لم يكونا حبيبين ولا يمق أحدهما الآخر بل كانا لدودين، يتبادلان على البعد السهام المسمومة علنًا وخفاء. ... ومشتكى الصب إلى الصب

وقد ذكر الرواة أن المبرد كان"من العلم وغزارة الأدب وكثرة الحفظ وحسن الإشارة وفصاحة اللسان وبراعة البيان وملوكية المجالسة وكرم العشرة وبلاغة المكاتبة وحلاوة المخاطبة وجودة الخط وصحة القريحة وقرب الإفهام ووضوح الشرح وعذوبة المنطق على ما ليس عليه أحد ممن تقدمه أو تأخر عنه".

ومع هذه الشمائل العالية لم يتورع أن يقول هذين البيتين في رصيفه ثعلب:

أقسم بالمبتسم ـ العذب

لو أخذ النحو عن الرب ... ما زاده إلا عمى القلب

ولا يخلو الجو من سعاة بين طلابهما، فقد حمل أحدهم البيتين، وأنشدهما ثعلبًا فتمثل هذا عندئذٍ بقول الشاعر: ... فصنت عنه النفس والعرضا

أسمعني عبد بني مسمع

ولم أجبه لاحتقاري له ... ومن يعض الكلب إن عضا

ولكن ثعلبًا على خلاف ما ادعى قد رد بهذين البيتين عضة بعضة. قد يقال: إن مثل هذه العداوة بين العلماء والأدباء ينشأ في مجتمع يتخلله سوء توزيع الثروة. فإن حب الكسب والطمع في جمع المال سبب للتحاسد والتباعد والتباغض. وحقًا كان كلاهما من بيئة فقيرة عَلِيا بالعلم في ذلك المجتمع العباسي الذي استطاع فيه المبرد، ولم يبلغ الأربعين من عمره، أن يحمل إلى بلاط المتوكل في سر من رأى مكرمًا ليكون حجة يرجع إليه في النحو واللغة والقراءة والتفسير. ... نغدو ونسري في إخاء تالد

ويروي الرواة أن المبرد كان"ممسكًا بخيلًا يقول: ما وزنت شيئًا بالدرهم إلا رجح الدرهم في نفسي. هذا مع السعة التي كان فيها. وكان ثعلب أشد منه في الإمساك. وكان المبرد يصرح بالطلب، وثعلب يعرّض ويلوّح".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت