فهرس الكتاب

الصفحة 10725 من 23694

بيد أن هذا التعليل على وجاهته لا يكاد يكفي. ذلك أننا نجد في تلك العهود أمثلة رائعة على التوادّ والتضامن والتراحم بين الأدباء حين يتجاوزون التنافس إلى إدراك الفروق بينهم وتقدير بعضهم لمزايا بعض. وربما كان أبلغ تعبير عن تفاوت المزايا وتتامها حكمة صوفي قديم، وهو أبو بكر الطمستاني حين ينبه على أن لكل نفس سبيلًا خاصًا بها إلى معالي الأمور، فيقول:"الطرق إلى الله بعدد الخلق". ويقول أيضًا:"خير الناس من يرى أن الخير في غيره ويعلم أن السبل إلى الله كثير غير السبيل الذي هو عليه لكي يرى تقصير نفسه بنفسه فيما هو عليه". لهذا لا نعجب من الصداقة التي أصفاها رأس الشعراء العباسيين أبو تمام شعراء عهده. بل نتغنى مرة ثانية بخطابه البليغ لصديقه الشاعر علي بن الجهم منوهًا بالأخوة التالدة بين أهل الأدب وإن اختلفت آفاقهم الجميلة:

إن يُكدِ مطرف الإخاء فإننا

أو يختلف ماء الوصال فماؤنا ... عذب تحدر من غمام واحد

أو يفترق نسب يؤلف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد

وأبدع من هذا وأعلى وأروع موقف الأديبين يفدي كل منهما الآخر بنفسه. كأن أمثال هذا الموقف قد وقفها أصحابها ليعلنوا إلى الأجيال كافة تضامن العلماء والأدباء والمفكرين كأشد أنواع التضامن. فقد نقل ابن خلكان عن الجهشياري في كتاب"أخبار الوزراء"، أن عبد الحميد الكاتب قد طلب عند انقراض الدولة الأموية ومطاردة بني العباس للأمويين وأنصارهم بالقتل والتشريد. وكان عبد الحميد صديقًا لابن المقفع."ففاجأهما الطلب وهما في بيت. فقال الذين دخلوا عليهما: أيكما عبد الحميد؟... فقال كل واحد منهما: أنا، خوفًا من أن ينال صاحبه مكروه. وخاف عبد الحميد أن يسرعوا إلى ابن المقفع فقال: ترفقوا بنا، فإن كلًا منا له علامات. فوكلوا بنا بعضكم ويمضي البعض الآخر ويذكر تلك العلامات لمن وجهكم. ففعلوا". وأخذ عبد الحميد"، إلى حيث لقي حتفه. ... وشرك عني ما ارتوى الماء مرتوي"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت