فهرس الكتاب

الصفحة 10807 من 23694

وإذا كنا لا ننكر أن العقد الثاني من القرن العشرين في الجزائر بدأ يعرف مع أمثال عمر بن قدور والمولود بن موهوب وعبد القادر المجاوي وسعد الدين بلقاسم بن الخمار وغيرهم محاولات لإخراج الشعر من الدوائر المغلقة التي ظل حبيسها ردحًا طويلًا من الزمن (1) ، فإن ما لابد من توكيده هو أن هذه المحاولات ظلت فردية ولم تستطع أن تغير الوجه الشاحب المميز للشعر الجزائري في هذه الآونة، فالشيخ البشير الإبراهيمي فحص ما أُنتج من أشعار في هذه المدة فوجدها ـ كما يقول: أختًا للأشعار"الملحونة الرائجة في السوق، لأنها منقطعة الصلة بالشعر في أعاريضه وأضربه، ومنقطعة الصلة بالعربية في ألفاظها ومعانيها، ومنقطعة الصلة بالخيال في تصرفه واختراعه" (2) .

وإذا كان كلام الإبراهيمي لا يشمل في تقديرنا أشعار الشعراء الذين ذكرناهم على الأقل، فإن الجهود التي بذلها هؤلاء على الرغم من قيمتها في مسار الشعر الجزائري الحديث، فإنها لا تمثل المنعرج الحاسم في تاريخ هذا الشعر، فالقطيعة النهائية مع النموذج الشعري لعصر الضعف في الجزائر لا تبدأ إلا مع المشروع النهضوي الذي أقرته الحركة الإصلاحية لتحديث المجتمع الجزائري وتحريره من التخلف الذي كرسته السياسة الاستعمارية لقطع صلته بأصولها العربية والإسلامية، ولا نحسب أن الشيخ عبد الحميد بن باديس كان متزيدًا ومبالغًا حين حدد بداية نهضة الشعر الجزائري بميلاد جريدة (المنتقد) سنة 1925، فقال:" الحقيقة التي يعلمها كل أحد أن هذه الحركة الأدبية ظهرت واضحة من يوم أن برزت جريدة المنتقد، فمن يوم ذاك عرفت الجزائر من أبنائها كتابًا وشعراء ماكانت تعرفهم من قبل" (3) . معنى هذا أن البعث الحقيقي للحركة الأدبية والشعرية في الجزائر، بدأ مع الحركة الإصلاحية التي نشأت في هذا التاريخ وكان مشروعها الثقافي المتدرج في مخططها النهضوي العام عربيًا إسلاميًا في روحه ومنهجه وأهدافه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت