فهرس الكتاب
هذه النماذج وغيرها كثير، التي تمثل فيها الشعراء المعاني القرآنية في الحث على الصبر والتوكل على الله والإيمان بقضائه وقدره، لم توظف لحمل الناس على الانتظار السلبي غير المقرون بالعمل. ولم يلجأ الشعراء إليها لإقناعهم بوجوب الاستسلام للمستعمر وقبول ممارساته المتعسفة على أنه قضاء لا مفر منه، بل كانت الغاية منها تقوية الضمائر وشحذ العزائم في مواجهة الغاصبين، وتعليق الأمل في النصر الأكيد ودحر الطغاة بالمولى جلَّ جلاله، الذي رأينا فيما تقدم كيف كان الشعراء يؤكدون على قوته التي لا تضاهيها قوة مخلوقاته، وكيف أنهم كانوا يذكِّرون الشعب المظلوم دومًا بعدله وبنصره لعباده المؤمنين. ويمكن أن ندعِّم فكرتنا هذه بأدلة من الشعر نفسه تبين بما لا يدع مجالًا لأي شك أن المعاني الشعرية المستقاة من القرآن الكريم في الدعوة إلى الصبر والتوكل وإلى الإيمان بالقضاء والقدر. إنما استخدمت لتوثيق الصلة بالله، حتى تكون الانطلاقة في مواجهة الطغاة المعتدين ذات غاية أسمى وأشمل هي الاستجابة لإرادة الله، الذي قضى بنصر الحق ودحر الظلم؛ فهذا الوعد يجعل المؤمن يشق طريقه نحو هذه الغاية دونما تردد أو خوف مهما كان المسلك وعرًا شائكًا؛ لأنه واثق من إنجاز الله وعده، مصداقًا لقوله تعالى: ?يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم?. (محمد: 7) . وفي هذا المساق يتنزل قول مفدي يتوعد المستعمر بحكم الله الذي سيقضي فيه للمسلمين على أعدائهم:
فلنا مع التاريخ وعد صادق
الله يعلم صدقنا وخداعكم ... والله أجدر أن يكون وكيلا
وتتضح هذه الفكرة أكثر حين يقرن الشعراء هذه المعاني بالجهاد ودعوة المجاهدين إلى الصبر والثبات مهما كانت المعارك ضارية شديدة، لقطع دابر الاستعمار كما في قول أحمد سحنون: ... أمضى السلاح لقطع كل وريد
لله صبرك في الكفاح فإنه
صبر به غدت الفتاة لبوءة ... والطفل ليث وغى وحلف بنود