2 ـ وضرب منه حسن لفظه وحلا، فإذا فتشته لم تجد هناك طائلًا كقول جرير: ... قَتَلْنَنَا ثم لم يُحيينَ قتلانا
إن العيونَ التي في طرفها حَوَرٌ
يصرَعْنَ ذا اللبِ حتى لا حَراكَ به ... وهن أضعفُ خلقِ الله أركانا
3 ـ وضرب منه جاد معناه وقصرت الألفاظ عنه كقول لبيد: ... والمرءُ يُصلحهُ الجليسُ الصالحُ
ما عاتبَ المرءَ الكريمَ كنفسهِ
4 ـ وضرب منه تأخر لفظه وتأخر معناه كقول الأعشى: ... غذاهُ دائمُ الهطْلِ
وفوها كأقاحيٍّ
كما شيب براحٍ با ... ردٍ من عسلِ النحلِ
ويرى ابن قتيبة أنه ليس لمتأخر الشعراء أن يخرج على مذهب المتقدمين، فيقف على منزل عامر، أو يبكي عند مشيد البنيان، لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر والرسم العافي، وليس له أن يرحل على حمار أو بغل ويصفهما، لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرد على المياه العذبة الجواري لأن المتقدمين وردوا على الأواجن والطوامي، أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والآس والورد لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشيح والحنوة والعرار، كما لا يجوز له أن يقيس على اشتقاقهم فيطلق ما لم يطلقوا. ... أصادي بها سربًا من الوحشِ نزّعا
ثم يذكر أن من الشعراء المتكلف والمطبوع: فالمتكلف هو الذي قوّم شعره بالثقاف ونقحه بطول التفتيش، وأعاد فيه النظر بعد النظر، كزهير والحطيئة، وكان الأصمعي يقول:"زهير والحطيئة وأشباههما من عبيد الشعر لأنهم نقحوه ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين". وكان الحطيئة يقول:"خير الشعر الحولي المنقح المحكك"، وكان زهير يسمي كبرى قصائده"الحوليات".
وقال سويد بن كراع:
أبيتُ بأبواب القوافي كأنما
إذا خفت أن تروى علي رددتها ... فثقفتها حولًا جريدًا ومَرْبَعَا
وقال عدي بن الرقاع: ... حتى أقوّمَ ميلَها وسِنادَها
وقصيدةٍ قد بتُ أجمعُ بينها
نظر المثقِف في كعوبِ قناتِهِ ... حتى يقيمَ ثقافُهُ منآدَهَا