وللشعر دواع تحث البطيء وتبعث المتكلف منها: الطمع والشوق والشراب والطرب والغضب، وقيل للحطيئة: أي الناس أشعر؟ فأخرج لسانًا دقيقًا كأنه لسان حية، وقال:"هذا إذا طمع"، ثم يضرب الأمثلة على أثر الطمع في جودة الشعر، فيرى مثلًا أن مدائح الكميت لبني أمية أجود من مدائحه للطالبيين، وأنه قيل لكُثير: كيف تصنع إذا عسر عليك قول الشعر، قال: أطوف في الرباع المخلبة، والرياض المعشبة، فيسهل علي أرصنه، ويسرع إلي أحسنه. ويقال أيضًا إنه لم يُستدع شارد الشعر بمثل الماء الجاري و الشرف العالي والمكان المخضر الحالي.
وللشعر تارات يبعد فيها قريبه، ويستصعب فيها ريّضه، ولا يكون ذلك إلا من عارض يعترض الغريزة من سوء غذاء أو خاطر غم. وكان الفرزدق يقول: أنا أشعر تميم، وربما أتت علي ساعة ونزع ضرس أسهل عليَّ من قول بيت.
وللشعر أوقات يسرع فيها أتيّه، ويسمح فيها أبيّه، منها أول الليل قبل تفشي الكرب، ومنها صدر النهار قبل الغداء، ومنها يوم شرب الدواء، ومنها الخلوة في الحبس والمسير، ولهذه العلل تختلف أشعار الشاعر حتى قيل في شعر النابغة الجعدي"خمار بواف ومطرف بآلاف".
ويرى ابن قتيبة أن أشعر الناس من أنت في شعره حتى تفرغ منه ويضرب الأمثلة على ذلك... وليس كل الشعر يختار ويحفظ على جودة اللفظ والمعنى، بل يختار لأسباب منها: الإصابة في التشبيه، وخفة الروي (الوزن) ويختار لأن قائله لم يقل غيره، أو لأن شعره قليل عزيز، أو لأنه غريب في معناه، أو لنبل قائله كأشعار الخلفاء مثلًا....
ثم يعود ابن قتيبة فيعرّف الشعر المتكلف تعريفًا آخر صحيحًا فيقول:
"والمتكلف من الشعر هو ما نزل بصاحبه من طول التفكير وشدة العناء ورشح الجبين، وكثرة الضرورات، وحذف ما بالمعاني حاجة إليه، وزيادة ما بالمعاني غنى عنه... ومن علائم التكلف عنده أن ترى البيت فيه مقرونًا بغير جاره، ومضمومًا إلى غير لفقه."