إن التكلف في آداب الشعوب لم يظهر إلا في عهودها المتأخرة، عندما طغى التقليد على الطبع، وعجز التقليد عن محاكاة الروح واللباب، فأخذ بالهياكل والقشور، وهذا هو شعر التوليد الذي يحاول أصحابه تغطية فقره بصور مقتسرة أو محسنات زائفة.
إن الشعر المتكلف حقيقة هو الذي يفكر صاحبه مرتين: مرة للفكرة ومرة لتحويرها والتلطف بها حتى تسكن للبديع، وفي هذا تكون مادة الشعر متكلفة كاذبة ويكون طبع الشاعر فاسدًا، إذ نحس بزيف الإحساس وعدم أصالة الخاطر وقسر الصورة، فيأتي الشعر أجوف متنافر النغمات، يقف عند الآذان، وقد رده الذوق كالبهرج المرذول، وهذه الصفة نجدها عند أبي تمام دون زهير والحطيئة، والذي عند هذين إنما هو التجويد والتثقيف والصقل.
ثم يعرف الشعر المتكلف مرة ثانية فيقول: إنه ما نزل بصاحبه من طول التفكير، وشدة العناء، ورشح الجبين، وكثرة الضرورات، وهنا يضع ابن قتيبة المبدأ ولا يحسن التطبيق، لأنه يعوزه حسن النظر، والذوق السليم، فالمتكلف هو ما نحس ما نزل بصاحبه من طول التفكير... ولكن الكاتب إذا نجح في جهده وواتاه الطبع، جاء الأثر الفني خاليًا من التكلف والعناء، والحق أن الجهد في الشعر ضوء داخلي رفيق، ينير النفس ولا يعشي الأبصار، والجهد إذا ظهر في كثرة الضرورات، وحذف ما بالمعاني حاجة إليه، لم يكن تكلفًا بل قصورًا وعجزًا.
ثم يعرف الشعر المطبوع فيقول: والمطبوع من الشعراء من سمح بالشعر واقتدر على القوافي، وأراك في صدر بيته عجزه، وفي فاتحته قافيته، وتبينت على شعره رونق الطبع ووشي الغريزة، وإذا امتحن لم يتلعثم ولم يتزحّر... ثم يذكر ذهاب بعض الشعراء بضروب خاصة من الشعر وفقًا لطبائعهم.