أما عن وصفه الشعر المطبوع، فابن قتيبة كعادته أصاب التعريف وأخطأ التطبيق والاختيار... فنحن لا نشك أن الشاعر المطبوع هو من أرانا في صدر البيت عجزه، إذ تأتي المعاني آخذة برقاب بعضها، ويقوم بينها نوع من التداعي، فيأتي عجز البيت بنفس الكلام الذي كنا نتوقعه، ولكن الخطأ في قوله: والمطبوع من إذا امتحن لم يتلعثم ولم يتزحّر! فكأن الشاعر المطبوع هو القادر على الارتجال دون الخلط بين الرجز والقصيد.
من المعروف أن الرُجّاز توفروا على وزن معين حتى ألفوه وتوارثوه ابنًا عن أب، فأصبح الارتجال فيه ممكنًا، وهو بعد قصير سهل البناء والمأخذ، وليس كذلك القصيد المتنوع البحور. المتعدد الأغراض.
إن الارتجال لا يدل على الطبع، وإن قاد إلى شيء، فإلى تلك السخافات... كل هذا يعبر عن سماجة ذوق ابن قتيبة الفقيه، وقبح بصيرته في الشعر، ولذلك لم يستطع تقييم أي بيت ورد في مقدمته وظل يصيب في القاعدة، ويخطئ في تطبيق المثال.
والخلاصة التي نريد أن ننتهي إليها هي أن تفكير ابن قتيبة خير من ذوقه، ونزعته خير من عمله، دعا إلى تحكيم الرأي الشخصي فأصاب، وعرف الشعر المتكلف بأنه ما خلا نسجه من الوحدة فأصاب، وعرف المطبوع بأنه ما ينبي صدره عن عجزه فأصاب، وأراد أن يقسم الشعر تبعًا لجودة ألفاظه ومعانيه فتخبط في الحكم والذوق، وقسمه إلى مطبوع ومتكلف فخلط بين الطبع والارتجال، وبين التثقيف والتكلف، وحاول أن يورد عن غيره بعض المقاييس فلم يتبصر ولم يعمل حسه ولا عقله ليضعهما في موضعهما الحقيقي.