فهرس الكتاب
يبدأ المعافى في مجلسه الخمسين بحديث عن الرسول ( معناه أن رجلًا دخل على النبي ( فقال له: استعملني فقال:"إنا لا نستعمل على عملنا من طلبه، ولا من حرص عليه". ويعقب المعافى:"تأملوا رحمنا الله وإياكم ما ورد به هذا الخبر عن نبينا ( في أخباره أنه لا يستعمل على الناس من طلب العمل عليهم، ولا من حرص على ولاية أمورهم، لأن من سأل هذا وحرص عليه لم يؤمن زيغه عن العدل في من يلي عليه، ومحاباته لمن يوليه، وشفاء غيظه ممن يعاديه والاستطالة بما بسط فيه على من بسط عليه فيجوز في حكمه ويستعين في سلطانه على ظلمه".
أرأينا أي أسلوب بسيط واضح بعيد عن التكلف فسر به قول رسول الله (؟ وبمعنى آخر أرأينا هذا الثوب من الألفاظ والتراكيب الذي ألبسه المعافى لمعانيه، كانت المعاني شافية وافية وكانت الألفاظ رداء ليس بالواسع الفضفاض ولا بالضيق الحرج، لم تثقله الصنعة، ولم يخل من التأنق والذوق، وكأن هذا الأسلوب أخرجته يد صناع عملت فيه بآلة سحرية فبدت فيه السهولة الممتنعة التي تستسلم لكل قارئ وتعجز كل كاتب، وهي البلاغة التي وصفها ابن المقفع بقوله:"إذا رآها الجاهل ظن أنه يحس مثلها".
بهذا الأسلوب البليغ يقيس المعافى بجرأة ما ورثنا إياه الرسول الأعظم والسلف الصالح بما يراه ويسمعه، ويقول معقبًا:"وإلى الله المشتكى مما نراه في زماننا هذا من غلبة السفلة والجهال والسخفاء الضلال للأحكام، وإجلاسهم مجالس الأئمة الأعلام، مع عظيم جهالتهم، وسقوط عدالتهم، وفساد أمانتهم، وقبح الظاهر والباطن من أمرهم، والله ولي الانتقام ممن يطوي في هذا الباب نصيحة الإمام ويسعى إلى ما يساق إليه من الأحكام في حد شريعة الإسلام، ونستعين بالله على تمكيننا من إيضاح هذا الأمر وإنهائه إلى من إليه الأمر، من ساسة الأمة، ومدبري الملة".