هناك مشكلة ثالثة يواجهها الكاتب العربي، هي مشكلة العلاقة بالسلطة. وهذه المشكلة شائكة ذات تأثير كبير في مستوى الكتابة الإبداعية. فعِلّة وجود الكاتب هي الكتابة؛ فإذا لم يكتب فقَد علة وجوده. والكتابة الإبداعية منحَازة إلى الإنسان الحر الكريم، عاملة على الدفاع عنه ورفعة شأنه. أما علة وجود السلطة فهي الحكم، فإذا لم تحكم فقدت علة وجودها. والحكم هو تنظيم المجتمع وتنميته وتهيئة أسباب السعادة لأبنائه... ويخيل إليَّ أن الكاتب يلتقي السلطة في الهدف ويختلف عنها في أسلوب الوصول إليه. ومن الخطأ الظن أن الكاتب والسلطة لا يلتقيان، وأن التعارض بينهما أزلي. بيد أن المنطق العلمي شيء مغاير للواقع الملموس. ففي هذا الواقع سلطة تفهم الحكم على أنه السيطرة والسيادة والتميز وقمع المقهور ليزداد رضوخًا وتبعية. وهذا أمر يرفضه الكاتب ويرغب في تغييره بوساطة الكتابة، لكن ذلك يعرّضه لأذى السلطة، فماذا يفعل؟ إذا صمت عن ممارسات السلطة شعر بخيانة الهدف من الكتابة، وإذا عالج هذه الممارسات مُنع من النشر أو سرِّح من عمله أو قيدت حركته أو زج به في السجن. الواضح أن غالبية الكتّاب العرب اكتفت بالكتابة عن السبب دون المسبب، أو راحت تغرق في حيل أسلوبية شكلية تحجب عنها مساءلة الرقيب وأذاه، أو استسلمت للأمر الواقع وشرعت تكتب ما يعزز أيديولوجية السلطة الحاكمة. وقد أثر ذلك في عنصر الصدق ـ وهو جوهر الكتابة الإبداعية ـ وقاد الكتّاب إلى نوع غريب من الحياد جعل القارئ العربي يشك في مصداقية الكاتب والكتابة."وبما أن لكل أيديولوجيا سلطتها، ولكل سلطة أيديولوجيتها، فإن لكل قطر أدباءه ومفكريه المنسجمين مع الوضع القائم."