وقد نوه الإسلام بقيمة العقل وبيان فضله وشرفه. فقد جاء في الحديث الشريف: [ما خلق الله عز وجلّ خلقًا أكرم عليه من العقل] . وقال: [إذا تقرب الناس بأبواب البر والأعمال الصالحة فتقرب أنت بعقلك] . وقال لأبي الدرداء: [ازدد عقلًا تزدد من ربك قربًا] . وشاع مثل هذا التنويه على لسان الشعراء. قال إبراهيم بن حسان: ... فليس من الأشياء شيء يقاربه
وأفضل قسم الله للمرء عقله
إذا أكمل الرحمن للمرء عقله ... فقد كملت أخلاقه ومآربه
ومن منا من لا يتمثل بقول رهين المحبسين: ... ـل مشيرًا في صبحه والمساء
كذب الظن لا أمام سوى العقـ
فإذا ما أطعته جلب الرحـ ... ـمة عند المسير والأرساء
ومن المشهور اتساع الفلسفة الرشدية في الغرب وتأثيرها العقلاني في الثقافة الغربية عامة، هذا فضلًا عن فرقة المعتزلة التي رفعت العقل إلى شبه مرتبة الربوبية. ... ورب النجم يفعل ما يريد
كذلك يعرف الدارسون كيف يعمد الفقهاء والفلاسفة وعلماء الكلام إلى تقويض الثقة بالمحسوسات. فالظل نراه واقفًا وهو متحرك، والكوكب نراه صغيرًا في مقدار الدينار وهو بالأدلة الهندسية قد يكون أكبر من الأرض في المقدار، وهلم جرا.
وقد ندد الإسلام بالتنجيم. جاء في أقوال الرسول الكريم [أن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته] . قال ذلك ففي يوم وفاة ابنه إبراهيم، وظن الناس أن الشمس كسفت لذلك. وذاع بين المسلمين القدماء قول مأثور:"كذب المنجمون ولو صدقوا"ومعنى لو صدقوا أن أقوالهم قد تطابق ما يقع ولكن ليس ذلك بعلمهم وصدقهم وإنما هي مصادفة عارضة. وتهكم أحد الشعراء بالمنجم فقال:
تدبر بالنجوم ولست تدري
ومن المتعارف أن الخليفة المعتصم لما أراد تحرير عمورية نصح له المنجمون أن يؤخر ذلك إلى فصل الخريف، إلى زمن نضج التين والعنب على حد تعبير مادحه أبي تمام فلم يصغ إليهم. إن العقل والعزيمة وحسن التدبير هي الطالع الحقيقي للإنسان وقدره والشاهد على قيمته. ... أو زاد مالي فكل الناس خلاَّني