(الليلة الحادية والستون بعد المائة) . فلما كان تمام الشهر اشتاق أبو الحسن الخليع إلى شرب المدام وعاد إلى عادته في فرش قاعته وهيأ الطعام وأحضر المدام وخرج إلى الجسر وجلس ينتظر أحدًا ينادمه على جاري عادته. وإذا بالخليفة جاز عليه. فلم يسلم عليه أبو الفرج وقال: لا أهلًا ولا سهلًا بالوافدين. ما أنت إلا شياطين. فأقبل عليه الخليفة وقال له: يا أخي أما قلت لك إني أعود إلي!؟ فقال أبو الفرج: ليس لي بك حاجة فإن المثل يقول: بعدي عن حبي أجمل لي وأحسن. عين لا تنظر، قلب لا يحزن. وأنا يا أخي ليلة جئتني وتنادمت أنا وإياك فكأني جاءني الشيطان ووسوسني تلك الليلة. فقال الخليفة: ومن هو الشيطان. فقال له أبو الفرج: أنت. فتبسم الخليفة وجلس عنده وتلطف معه بالكلام وقال له: يا أخي أنا لما خرجت من عندك نسيت الباب مفتوحًا فلعل الشيطان دخل عليك. فقال أبو الفرج: لا تسأل عما جرى لي. فما الذي خطر لك حتى خليت الباب مفتوحًا ودخل عليَّ الشيطان و جرى لي معه كذا وكذا. وذكر أبو الفرج الخليع للخليفة جميع ما جرى له من الأول إلى الآخر. وليس في الإعادة إفادة. فصار الخليفة يضحك ويخفي ضحكه.
ثم أن الخليفة قال لأبي الفرج: الحمد لله الذي أزال عنك ما تكره ورأيتك بخير.فقال له أبو الفرج ما بقيت أتخذك نديمي ولا جليسي فإن المثل يقول: من عثر في حجر وعاد إليه كان اللوم والعتب عليه. وأنت يا أخي ما بقيت أنادمك ولا أعمل معك مصاحبة فإني ما رأيت لك كعبًا مباركًا عليّ. فقال الخليفة وقد لاطفه وأثنى عليه: إني ضيفك ولا ترد الضيف. فأخذه أبو الفرج ودخل به القاعة وقدم له الطعام وآنسه بالكلام. ثم أنه حكى للخليفة جميع ما جرى له. فأخذ الخليفة يغرب في الضحك. ثم رفع سفرة الطعام وقدم سفرة المدام وملأ قدحًا واحتساه ثلاثًا ثم ملأه وأعطاه للخليفة وقال: يا نديمي عبد عندك ولا يصعب عليك فلا تُغُبَنْ ولا تَغْبنّي وأنشد يقول:
لا زلت أشرها والليل معتكر