فهرس الكتاب
وبان أحمر دائم الحسرة على شبابه، بل توشك حسرته أن تكون توطئة لأغلب أغراضه، ؟؟ ما شكا ظلم السعاة، فليس ثمة تمهيد لشكواه الا أن يندب شبابه (147) ، وإذا ما كان بين يدي ممدوحه، فلن يجد مدخلًا إلى غايته سوى ذلك العهد الماضي (148) ، وإذا ما ذكر مجلسًا، حدثنا عما فيه من سفه الصبا، فأولما يأسى له شبابه الذي ولى: ... وتنكّر الأخوان والدهر (149)
بان الشباب وأخلف العمر
وشاعرنا يشير إلى تعلقه بغير امرأة أيام شبابه، ولكن حديثه فيهن حديث عام، لا يصدر عن شاعر ماجن كامرئ القيس وطرفه في الطاهلية وكعمر بن أبي ربيعة في الإسلام، وإذا ما تراءى لنا شيء من المجون، فإننا نجده غامضًا، يتستر وراء لهو الملك الضليل وعبثه، فكان ابن أحمر قد طبع بالمدرسة النجدية العذرية أجمل طبع وأرقه. ... ما خانني حسبي ولا وفري (150)
وابن أحمر لا يلح كثيرًا على مظاهر شبابه، ولا يصر على ما نجده في شعره من ارث الجاهلية، فقد تهذب بمكارم الأخلاق أحسن تهذيب، وآمن بالدين الجديد أعمق الإيمان، فهو رجل شهم ذو نجدة ومروءة، لا تخونه الفعال الحسنة والوفر الواسع إذا ما استغاثت به الركاب:
لوبي تحمست الركاب إذا
وديوان العرب سيظل يحفظ لهذا الشاعر موقفًا فذًا في وجه السعاة المترفين الذين أهلكت سياطهم الناس ذلًا وجورًا، فقد قام بحاجة هؤلاء المقهورين خير قيام، وكان صوت الحق في وجه سلطان جائر، أنذره ابن أحمر بالشدائد من الأيام، وتوعده برجال شجعان، أخلصوا أنفسهم لله، وسخروها للحق: ... وبالخليفة أن لا تقبل العذر
اني أعوذ بما عاذ النبي به
من مترفيكم وأصحاب لنا معهم ... لا يعدلون ولا نأبى فننتصر
فان تقرّ علينا جور مظلمة ... لم تبن بيتًا على أمثالها مضر
لا تنس يوم أبي الدرداء مشهدنا ... وقبل ذلك أيام لنا أخر
من يمس من آل يحيى يمس مغتبطًا ... في عصمة الأمر ما لم يغلب القدر
ورَّادة يوم بعث الموت رأيتهم ... حتى يفيء إليها النصر والظفر