فهرس الكتاب

الصفحة 11012 من 23694

وهذا الأعرابي أسلم، وحَسُن إسلامه، فتهذب بمكارم الأخلاق التي أتى بها هذا الدين الحنيف، ليتممها بين عرب الجزيرة، ولكن بقية من جاهلية ظلت في نفسه، ولعل أبا زيد القرشي أول من تنبه على ذلك، إذ رأى في شعره شيئًا من معالم الإسلام وشيئًا آخر من آثار الجاهلية في آن معًا، فجعل ابن أحمر من أصحاب المشوبات التي اختارها في جمهرته من دواوين سبعة شعراء مخضرمين، وقال:"أصحاب المشوبات، وهن سبع اللائي شابهن الإسلام والكفر، وهم: النابغة نابغة بني جعدة، وكعب بن زهير، والقطامي التغلبي، والحطيئة العبسي، والشماخ بن ضرار الغطفاني، وعمرو بن أحمر وتميم بن مقبل" (145) .

ومن الطبيعي أن نلاحظ ذلك عن هؤلاء الأعراب الذين نشأوا في بوادي نجد، وقضوا شطرًا مهمًا من حياتهم قبل الإسلام. فابن أحمر ما انفك يذكر مثلًا جاهلية عدة كطلب الوِتر وشرب الخمر وزجر الطير وكالعصبية القبلية بكل مظاهرها، وهو يذكر مجلس شراب واحدًا قبل أن ينهاه الحلم والدين عن ذلك الرجس، وربما أشار إلى شيء من اللهو والمجون، ولكنه لا يصرح به، وإنما يورد ذلك من خلال لهو الملك الضليل ومجونه، وهو يتحدث عما كان فيه من سفه الشباب، فيتراءى لنا ابن أحمر فتى عابثًا، يستجيب لهوى نفسه ونوازعها، فلا يلوي على شيء من القيم قبل أن يعلم"ما ينفع مما يضر":

بل ودعيني طفل إني بكر

أن تغضب الكأس لما قد أنت ... إن أداة الكأس شيء نكِر

إن امرأ القيس على عهده ... في إرث ما كان أبوه حُحُر

بنَّت عله المُلك أطنابها ... كأس رنوناة وطرف طِمِر

يلهو بهندٍ فوق أنماطها ... وفَرْتَنى تعهدو إليه وهِر

أدى إلى هند تحياتها ... وقال: هذا من وداعي دُبُر

إن الفتى يُقتِر بعد الغنى ... ويغتني من بعد ما يفتقر

والحي كالميت ويبقى الفتى ... والعيش فنَّان فحلو ومر

أما على نفسي واما لها ... فعايش النفس وفيها وقَر

هل يُهلكنِّي بَسط ما في يدي ... أو يخلدنِّي منع ما أدخر

ولن ترى مثلي ذا شيبة ... أعلم ما ينفع مما يضر (146)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت