فهرس الكتاب
4-شخصيته وثقافته: إن شخصية ابن أحمر واضحة الجوانب، لا تكاد تخرج في إطارها العام عن النمط المألوف عند أهل البادية الذين لم يكن للتعقيد دور مهم في مجتمعهم وأثر بارز في نفوسهم، فقد كانوا بمنأى عن آثار الحضارة ومظاهرها، فظلت طبائعهم جلفة جافية. وابن أحمر أعرابي، نشأ في بادية نجد، ثم ارتحل فترة إلى الجزية، وتبدل بالبداوة والرعي حياة حضرية، لم يكن راضيًا عنها، فاضطر أن يعود إلى موطنه حيث"النصرة"و"الشفقة"على حد تعبيره (139) .
وإ ا كانت وسائلنا إلى دراسة هذا الجانب من حياته شبه قاصرة بعد أن عرفنا أن ديوانه مفقود، وأن المصادر لا تسعفنا بأكثر أخباره، فليس لنا إلا أن نعتمد في هذا البحث ما يقوله ابن أحمر عن نفسه، وما يترائى لنا من معالم، تضافرت في كوين شخصيته. وهذا الجانب الأعرابي من شخصيته يبرز واضحًا من خلال ألفاظ غريبة ومعان جافية، تبدو ظاهرة، لفتت قدامى الباحثين إليها، فيراه غير واحد منهم"كثير الغريب" (140) ، يذكر حروفًا، لم يأت بها غيره من الشعراء، ومنها"كأس رَنَونَاة"، أي: دائمة، وذلك في قوله:
بَنَّت عليه المُلكَ أطنابَها
وهذا الراعي النجدي قد يمتح من صميم الصحراء وأعماقها معاني دقيقة،قل من يعرفها، وأمثال هذا قوله: ... رماثًا تحت مِقلات نَيُوب (142)
تلَسَّن أهلُه زمنًا عليه
ونقل ابن ثعلب وابن منظور عن ابن السكيت شرحه، فقال ثعلب:"هذا غريب، والمعنى فيه أنهم أقاموا للناقة فصيلًا، ليستدر لبنها" (143) ، وقال ابن منظور:"هذا معنى غريب، قلَّ من يعرفه" (144) . ... فقد دنا الصبح فما انتظر
وأمثال هذا لا يعرفه إلا من تبدى، أو اختلف فترة من الزمن إلى البادية، ولعل في هذا دليلًا على جفاء هذا الأعرابي وارتباطه الوثيق بحياة الصحراء.