فهرس الكتاب

الصفحة 11015 من 23694

فابن أحمر ليس رجلًا هدانا، يهاب الشدائد، ولكنه حريص أن لا تصغر نفسه في عداوة، لا طائل فيها. ولاشك ان ابن أحمر قد جبل على تلك السجايا الرفيعة والأخلاق الكريمة، حتى كأنه يراها مزية، تسمق بالشاعر، و من هنا ندرك معنى اختياره زهير بن أبي سلمى أشعر الناس، فكأنه يشاكله في هذه الأخلاق، ويقول أبو زيد القرشي:"قال ابن أحمر: زهير أشعر الناس" (159) . ... ودراس أعوص دارس متخدِّد (161)

وهذه الجبلة التي طبعت على الحق والخير جعلت شاعرنا يرغب عن النفاق في صلته برجال عصره، فتصدى لسعاة والي المدينة، وتعرض ليزيد بن معاوية الذي أخذت له البيعة بالمكر والعنف. والرواة لم ينشدوا له غير مدحة واحدة في النعمان بن بشير الأنصاري، لا نكاد نجد فيها أثرًا للمداجاة أو للمصانعة التي يراها الأستاذ الدكتور عبد الحفيظ السطلي"ظاهرة طبيعية في تلك الفترة، ذلك لأن تقلب الأحداث السياسية بسرعة والصراع العنيف بين الطامحين إلى الحكم والسلطان ولاسيما في العراق، قد جعل أمثال العجاج يرهبون ان تدور الدائرة عليهم أو على قومهم في ظروف، لم تكن لها سابقة في تاريخ القبائل" (160) .

ولعل ابن أحمر كان على شيء من اليسر، وهو يذكر غير مرة أنه صاحب رعي وركاب، فلم يكن يسعى إلى جاه أو مال مثل بعض شعراء عصره.

وبذلك نرى أن شخصية ابن أحمر متعددة الجوانب، واضحة المعالم، مألوفة السجايا، تضافرت في تكوينها عدة عناصر، كان من أهمها: نشأته بنجد نشأة أعرابية في قوم، كادوا أن يخلعوه في شبابه، ثم كان صوتهم الأقوى في شيخوخته، ومنها ما كان وليد العاهة والمرض، ومنها ما كان وليد الحياة الاجتماعية والدينية والسياسية التي عاصرها في الجاهلية والإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت