ولما كثر عدد هؤلاء المماليك وقويت شوكتهم ساد البلاد الفوضى والقلق في أول الأمر، بسبب الحروب والثورات والنزاع على السلطة. ولكن المماليك الأتراك استطاعوا أن يوطدوا حكمهم، خاصة بعد نجاحهم في رد غارات المغول في عين جالوت، بقيادة السلطان قطز عام (658هـ ـ 1260م) ، كما استطاعوا تطهير بلاد الشام من بقايا الصليبيين تحت قيادة السلطان الظاهر بيبرس.
ومن مشاهير السلاطين الأتراك المنصور قلاوون، الذي كان محبًا للإنشاء والعمران. أمر ببناء بيمارستان، في القاهرة، يعد من أجمل وأوسع البيمارستانات في العالم الإسلامي. وذلك عام (683 هـ ـ 1284م) ، وألحق به مدرسة لطلاب العلم ودارًا للأيتام.
لقد أكثر السلطان قلاوون من شراء المماليك الجراكسة، وأنزلهم في برج القلعة بالقاهرة، ليبعدهم عن الاتصال بسكان البلاد، ومن هنا جاءت تسميتهم بالمماليك البرجية.
وكان هدف السلطان قلاوون من جلب المماليك الجدد هو أن يكوّن فرقة جديدة من المماليك يعتمد عليها ضد منافسيه من كبار مماليك الأتراك، ولتكون سندًا له لدوام المُلك له في ذريته من بعده في مصر وبلاد الشام.
لذلك رأى أن تكون هذه الفرقة من جنس آخر غير الأجناس التي كانت تتألف منها مماليك مصر، فأعرض عن شراء الأتراك والتتار والتركمان، وأقبل على شراء المماليك الجراكسة، الذين كانوا ينتمون إلى بلاد الكرج (جورجيا) . ومما شجع السلطان المنصور قلاوون على شراء عدد كبير منهم، تجاوز ثلاثة آلاف مملوك، هو كثرة الغلمان الجركس في أسواق الرقيق، بسبب تعرض بلادهم لغزوات المغول، وبالتالي لانخفاض أثمانهم.
اتصف المماليك الجراكسة بجمال الصورة، وقوة الجسد والشجاعة. وقد خدموا أسرة قلاوون وأخلصوا لها ودافعوا عنها. وقد حرص السلطان قلاوون أن يحول دون اتصالهم بغيرهم من المماليك، ومنعهم من النزول إلى المدينة ليلًا.