أما الوظيفة التاريخية فهي تنبئ القارئ بالأحداث التاريخية التي حدثت في فترة معينة من التاريخ.. وهكذا فإن الوظيفة التاريخية ستحدد المكان والزمان والحدث الذي أبدع تلك التأملات والمشاعر.
وكان أبو العلاء يطبق ما كان قد أكده أرسطو عندما اعتبر الشعر أكثر فلسفة في التاريخ، ذلك لأن التاريخ يخبرنا عما حدث ولكن الشعر يخبرنا عما حدث وما سوف يحدث.
وهكذا فقد حاول أبو العلاء في رسالته أن يفلسف الماضي والمستقبل وذلك من خلال تركيزه على الوحدة الشعرية التي كان لها دور فعال في الرسالة. والواقع يمكننا تقسيم الوحدة إلى عنصرين فرعيين...
العنصر الشعري الذي تدور أحداثه ووقائعه في الجنة والعنصر الشعري الذي تدور أحداثه ووقائعه في النار أما العنصر الشعري الأول فإنه يتصف بصفات فلسفية تتوافق إلى حد ما مع المبادئ الفلسفية التي أرادها أبو العلاء لسكان جنته... وهكذا فمهما كان مدح علي بن منصور لخازن الجنة (رضوان+ زفر) ذلك الذي أراد أن يطبق المبادئ الفلسفية على سكان تلك الجنة فإنه لم يشفع له بالدخول وذلك لأن المبادئ الفلسفية والأخلاقية لذلك المكان لم تنسجم مع ما جاء به علي بن منصور الشاعر من الأحاسيس والمشاعر العشوائية التي كان يقرظ بها (رضوان وزفر) خازني الجنة.
وهكذا فإننا نرى عليا يستبدل بهذه القيم الشعرية الحسية والعرضية قيمًا أخرى تلك التي اصطلح عليها بـ"صك التوبة".
لقد فهم أبو العلاء المعادلة الفلسفية فهمًا بنويًا مترابطًا ومنسجمًا يتمثل في هذه الصورة:
عنصر شعري + عنصر أخلاقي+ عنصر فلسفي= جنة مثالية.
وهكذا فإن أي شاعر يمكن أن يحقق هذه المعادلة سيكون بلا شك في جنة أبي العلاء... من هنا فقد اختار أبو العلاء عدة شعراء جاهليين وإسلاميين وأمويين كانوا قد حققوا المعادلة التي أرادها أبو العلاء في العملية الشعرية...
إن البنية التركيبية لجنة أبي العلاء إنما تتبين من خلال هذه الصورة: