مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 52 - السنة 13 - تموز"يوليو"1993 - صفر 1414
فهرس العدد
تغيرت وسائل الانتقال وتطور اتساعها ولكن قلب الإنسان المحب بقي ذاته. يتذكر زهير بن أبي سلمى أحبابه المترحلات عن بلد العلياء المشرف على ماء جُرْثم فيصف الأنماط الكريمة المفروشة في الهوادج والكِلل الوردية والرحال الواسعة الجديدة المطرزة. جعلن في مسيرهن جبل القنان ومرعى الحزن عن يمينهن وكم في هذا الجبل من صديق ومن عدو. ثم ظهرن من وادي السوبان ليقطعنه ثم عرض لهن الوادي مرة أخرى لالتوائه فقطعنه أيضًا. وقد نزلن في بعض معالم الطريق وكانت نُتف الصوف المنتشر من الهوادج ومن الفراش المصبوغ في تلك المنازل بعد ترحلهن عنها شبيهة في ألوانها بالحب الأحمر من النبات المسمى عنب الثعلب. ثم طلع عليهن الفجر فسرن سَحَرًا حتى وصلن إلى وادي الرَّس فخيَّمن فيه قريبًا من جمام الماء الزُّرق الصافية. ... تحملن بالعلياء من فوق جُرثم
ولا ينسى الشاعر حركة الدلال الناعم تَثْنى قدود الأحباب وهنَّ يمضين لطيتهن في الهوادج القشيبة ولا الإشارة إلى ألوانها. يورد ذلك بعاطفة هادئة وتصوير بديع دقيق. ولا غرو أن هؤلاء الأحباب بهوادجهن وكسوتها البديعة الملونة الجميلة من مستوى عال في القبيلة حتى إنهن ليجتذبن الأبصار فهي تتوسم مظهرهن الأنيق المتنعم:
تبصر خليلي هل ترى من ظعائن
عَلون بأنماطِ عِتاق وكِلَّة ... وراد حواشيها مُشاكِهة الدم
جعلن القَنان عن يمين وحزْنه ... وكم بالقَنان من مُحِل ومُحْرِم
ظَهَرن من السُّوبان ثم جزعنه ... على كل قينيٍّ قَشِيب ومُفأم
وورَّكْن في السُّوبان يعلون متنه ... عليهنَّ دَلُّ الناعم المُتَنَعِّم
كأن فُتات العِهن في كل منزل ... نَزلْن به حبُّ الفنا لم يُحَطَّم
بكَرْن بُكورًا واستحرن بسحرة ... فهُنَّ ووادي الرَّسِّ كاليد للفم
فلما وردن الماء زُرقًا جِمامُهُ ... وضعن عِصيَّ الحاضر المُتَخيِّم