أصاح ترى برقًا أريك وميضه
يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أهان السليط في الذبال المفتل
قعدت وأصحابي له بين ضارج ... وبين العذيب بُعْدما متأملي
على قَطَنٍ بالشيم أيمنُ صوبه ... وأيسرُه على الستار فيذبل
وأضحى يسح الماء عن كل فيقةٍ ... يكبّ على الأذقان دوح الكنهبل
كأن مكاكيّ الجواء غدّيةً ... صُبِحْنَ سلافًا من رحيق مفلفل
ومرّ على القنان من نفيانه ... فأنزل منه العصم من كل موئل
وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أطُمًا إلا مشيدًا بجندل
كأن أبانًا في أفانين ودقة ... كبير أناس في بجادٍ مزمل
كأن ذرا رأس المجيمر غدوة ... من السيل والغثّاء فلكة مغزل
كأن السباع فيه غرقى عشية ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل
وألقى بصحراء الغبيط بعاعه ... نزولَ اليماني ذي العياب المحمل
لقد استطاع ملك الشعراء أن يرسم باللفظ والإيقاع صورًا فنية ملونة وصائتة ومتحركة للعاصفة ولمكانها ولآثارها مازلنا نتأملها ونتملاها ونعجب بها نحن محبي الشعر العربي القديم كإعجابنا بلوحات الرسوم العالمية الخالدة.
كان نجد يمور بحركات القبائل تنتجع مواقع الغيث وتلتمس مشهور المراعي وميسورها فتترحل القبيلة من مكان إلى آخر بأهلها جميعًا مع ظعائنها وهوادجها ومطاياها وأنعامها. وكان نجد يميس بقامات الأحباب في مواقف الوداع التي تُثير الأسى في النفوس. ولكن المحب أو الصديق المتخلف عن الركب كان يرافق في خياله أحبابه وأصدقاءه وأُلاَّفه ويتصور الأماكن التي يمرون بها أو يُخيمون على بطاحها أو يُعرسون عندها، ويحسب مدى إقامتهم لدى كل منزل ينزلون به أو مخيم يخيمون فيه أو معرس يعرسونه على طريق رحلاتهم التي قد تكون قصيرة أو طويلة. وذلك كما نفعل نحن إذا سافر لنا ولد أو قريب أو صديق نتصور في أي المطارات يحط وبأي الفنادق ينزل وهل يوصل المطار رأسًا إلى البلد الذي يؤمه أو هو مطار مرور وانتقال.