فكان لابد للحماسة بعد ذلك أن يشمر للعناية بها وشرحها عدد من العلماء اختلفت مذاهبهم وتنوعت اتجاهاتهم واهتماماتهم، فمنهم من شغلته المعاني الشعرية فأقبل يفسرها ويوضحها، ومنهم من قصر شرحه على مسائل الإعراب أو اللغة، ومنهم من تتبع النصوص فذكر الأخبار والأسباب التي قيل من أجلها الشعر، ومنهم من وقف شرحه على تصحيح نسبة الأبيات إلى أصحابها مع العناية ببيان اشتقاق أسمائهم، فلا غرابة إذا رأينا الأستاذ فؤاد سيزكين يحفظ لنا في سفره الجليل"تاريخ التراث العربي"أسماء هذه الشروح التي بلغت ستة وثلاثين شرحًا (6) ، على أن شرحي المرزوقي فالتبريزي يعدان من أوسع هذه الشروح وأبعدها شهرة وانتشارًا.
أما الوحشيات أو الحماسة الصغرى فلم تنل ما نالته الحماسة الكبرى من الحظوة والإقبال، ولم يلتفت إليها العلماء بالشرح والدراسة، وقد يعزيها بعض العزاء أن أديبًا كبيرًا في عصرنا الحاضر هو الأستاذ عبد الله الطيب قد أصدر مجموعة مختارة من الشعر العربي أطلق عليها اسمه"الحماسة الصغرى"، والأشد من ذلك أن كتاب الوحشيات لم يأت على ذكره أحد من رجال الأدب القدماء إلا التبريزي في مقدمة شرح الحماسة، والقاضي الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن: 177، والعيني في شرح شواهد الألفية بهامش الخزانة: بـ 2: 404، أو لعله ذكر في مواضع أخرى لم تكتشف بعد (7) ، هذا مع أن أبا تمام قد اختاره كما يقول ناسخه البوازيجي بعد اختياره كتاب الحماسة الكبرى ولم يروه، ولكن وجد بعده مكتوبًا في مسودة بخطه مترجمًا بكتاب الوحشيات.