إلا أن الزمان أبى إلا أن ينتصف للوحشيات وينتشلها من مغاور النسيان أو الإهمال لترى النور زاهية بهيّة في إخراجها أنيقة في طباعتها، إذ أتيح لها عالم جليل ومحقق ثبت عرف بالغيرة على التراث الأدبي هو الأستاذ عبد العزيز الميمني الراجكوتي أستاذ اللغة العربية في جامعة علّيكره- الهند، فقد حقق أبياتها تخريجًا وضبطًا، وأشار إلى أصولها في كتب الأدب ومجاميع الشعر، ورد بعض مقطعاتها إلى أصحابها، وذكر ما فيها من خلاف في الرواية بعد سبر لغور معانيها بمسبار الفهم والروية، معتمدًا في ذلك كله على نسخة فريدة في دار الكتب المصرية مصورة عن الأصل المحفوظ بكتبخانة السلطان أحمد الثالث في استنبول، ثم نهض علامة هذا العصر المحقق الأستاذ محمود شاكر فزاد في حواشيها بما عنّ له من إشارات علمية وتنبيهات ذكية ومن بعض الشروح العارضة لغوامض الألفاظ التي تغنى النص وتزيده جلاءً ووضوحًا، ثم أعيد النظر في العمل بعد تمامه والفراغ منه فاستدرك العالمان الجليلان على الحواشي ما يمكن أن يضاف إليها من حصيلة المراجعة والتقليب في المصادر الأدبية بعد روية وأناة، وألحقا هذا المستدرك في آخر الكتاب، ثم أتبعاه بخمسة فهارس تفصيلية تعين أولي البحث والدراسة، فاجتمع بذلك جهد إلى جهد، وفضل إلى فضل، ثم دفعا الكتاب إلى دار المعارف في مصر فظهر في العدد الثالث والثلاثين من سلسلة ذخائر العرب سنة ثلاث وستين وتسعمائة وألف.
ومع ذلك فإن منهج العمل فيه ظل قائمًا على التحقيق والضبط وتقديم النصوص الشعرية على صورتها المثلى، وهو بعد بحاجة إلى مزيد من الشرح والتفسير والإيضاح مما يتمم العمل ويقاربه من حدود الكمال (8) .
فلنرجع إلى ذلك الزمان ولندع التبريزي في مقدمة شرحه للحماسة يحدثنا عن الظروف والملابسات التي أدت إلى تأليف هذين الكتابين.