"ولكن العجب كل العجب من التبريزي حين وصف الوحشيات بأنها قصائد طوال، وهذا ما يجعلنا نشكك في اطلاعه عليها" (12) ، إذ هي في الغالب الأعم تتراوح عدة أبيات المقطوعة منها بين البيت الواحد وعشرة الأبيات، ولم يكد يخرج عن هذا العدد إلا أربع قصائد بلغ أطولها سبعة وأربعين بيتًا والثانية خمسة وثلاثين بيتًا والثالثة خمسة وعشرين بيتًا والرابعة عشرين بيتًا.
ويتبين من البحث في هذه المقطعات ما يلي:
1-إن أبا تمام كان يكتفي أحيانًا بإيراد عدد محدد من الأبيات ينتقيها من قصيدة تروى في كتب الأدب تكون عدة أبياتها أكثر مما جاء في الوحشيات، فنراه يروي لخلف الأحمر بيتين يهجو فيهما قومًا فيقول:
أناس تائهون لهم رواء
إذا انتسبوا ففرع من قريش ... ولكن الفعال فعال عُكلِ
والأبيات سبعة رويت في عيون الأخبار وغيره من كتب الأدب، كما يروي ثلاثة أبيات للعتبي يرثي بها أولاده الستة الذين فقدهم فيقول: ... فقد فقؤوا أعين الحاسدينا
وكنت أبا ستة كالبدور
فمرّوا على حادثات الزمان ... كمرّ الدراهم بالناقدينا
وحسبك من حادث بامرئ ... ترى حاسديه له راحمينا
وهي اثنا عشر بيتًا في عيون الأخبار أيضًا. ... عن الحق قدمًا غال حلمَك غولُ
وهذا الانتقاء يدل لدى الفحص على أن أبا تمام قد مضى في اختياره وفق نهج مسبق يقوم على إبعاد فضول القول وحشو الكلام والاكتفاء بما قل من القصيدة ودل، وأما بقية الأبيات فقد يراها تشتت التجربة وتفقدها التركيز والإيجاز، أضف إلى ذلك أن هذا المختار يسهل حفظه وترديده والاستشهاد به في مواقف الحياة المماثلة وأما أن ندعي أن أبا تمام لم يكن يعرف بقية الأبيات فهذا لا يقوم له دليل ولا تدعمه حجة وهو أقرب عهدًا بهؤلاء الشعراء وأوسع معرفة وأكثر حفظًا للشعر، وقد عرفنا من قبل أنه لم يكن يكتفي بما تمليه عليه حافظته، بل كان قد أقبل على خزانة الكتب فطالعها واشتغل بها كما يقول التبريزي.