فيقول الجعدي: بل مستنكرًا. فيقول الشيخ: فإن أنشد منشد مستنكر، ما تصنع به. فيقول الجعدي: أزجره وأزبره نطق بأمر لا يخبره. فيقول الشيخ: إنا لله وإنا إليه راجعون: ما أرى سيبويه إلا وهم في هذا البيت لأن أبا ليلى (الجعدي) أدرك جاهلية وإسلامًا وغذي بالفصاحة غلامًا" (31) ."
والواقع لم يرفض أبو العلاء التعليلات اللغوية التي تأول بها اللغويون على الشعراء برمتها بل لقد اعترف بأن بعض هذه التأويلات والتعليلات إنما هي صحيحة.
وهكذا فإننا نراه يعود مرة أخرى إلى سيبويه العالم اللغوي الثبت الذي يمكن له أن يشرح شرحًا لغويًا دقيقًا.
يقول أبو العلاء على لسان علي بن منصور مخاطبًا عبيد بن الحصين النميري الشاعر:"أحق ما روى عنك سيبويه في قصيدتك اللامية التي تمدح بها عبد الملك ابن مروان، من أنك تنصب الجماعة في قولك:"
أيام قومي والجماعة كالذي
فيقول النميري: حق ذلك" (22) . ... فلما اشتد ساعده رماني"
إن الهدف الفلسفي لأبي العلاء إنما كان تأكيده على البعد الوظيفي والموضوعي في الدراسات اللغوية. وذلك من خلال الحوار الذي أداره بين اللغويين والشعراء.. وقد أكد أبو العلاء على ذلك البعد الوظيفي والموضوعي للدراسات اللغوية من خلال الصراع الذي كان يدور بين علماء اللغة أنفسهم. وكأن أبا العلاء أراد أن يدل على أنه لم يكن هناك منهج فلسفي وظيفي يمكن أن يتبعه كل علماء اللغة وذلك لتعليل ما يجري في"جنته"من قضايا لغوية. وهكذا فإن أبا العلاء يكشف لنا بعدًا آخر في الدراسات اللغوية عندما يعقد هذا الحوار الذي جرى بين المازني والأصمعي: