فهرس الكتاب
الجهة الأولى: حركة الكتاب على الوجه الذي كان يخترق فيه أقطار الدولة الكبرى ويستقر عند طلابه وراغبيه. ولا ننسى أن سيطرة العرب بعد فتح المغرب والأندلس امتدت إلى طرق التجارة البرية والبحرية، ولا ننسى أيضًا صيرورة بغداد العاصمة الثقافية الأولى بالإضافة إلى عدد من المدن والمراكز الثقافية الأخرى. ومن جهة ثانية كان خروج الأندلسيين إلى المشرق متلاحقًا لأداء فريضة الحج، ولقاء العلماء، وأفذاذ الرجال، على اختلاف معارفهم وما اشتهروا به، ولتلقي العلم وروايته. وكان انتشار المذهب المالكي وغلبته في الأندلس -والمغرب- حافزًا لمتابعة تراثه ولقاء رجاله... ومن جهة ثالثة فإن الأندلس منذ استقرار الأمور فيها في عصر الإمارة المروانية كانت تستقبل الوافدين إليها رغبة منهم، والشخصيات التي كان يطلب إليها من قبل السلطة الأندلسية الحضور إلى قرطبة وغيرها. وكان القصد العلمي هو الغالب المعروف في مثل هذه الدعوات. ويلحق بذلك -من المقاصد والدوافع- الرغبة في بناء الأندلس فكريًا وحضاريًا، ومنافسة بغداد وغيرها من عواصم الفكر التي نبغت معها أو بعدها...
وقد أثبت عدد كبير من العلماء والأدباء الأندلسيين في برامج وفهارس خاصة مروياتهم ومسموعاتهم من الكتب والنصوص، وذكروا شيوخهم الذين أخذوا عنهم القراءات والتفاسير والأصول... الخ. وسلسلوا طرق أخذهم، ولو وصلت إلينا كتب برامج العلماء الأندلسية جميعًا إذن لاجتمعت لدينا معلومات كاملة تقريبًا عن حركة الكتاب، وعن التطوّر الثقافي، وعن سيادة كتب -دون سواها- في زمان ومكان معينين في البلاد الأندلسية. ومع ضياع كثير من تلك البرامج والفهارس نجد المتبقي منها كافيًا للدلالة على ما نذهب إليه من اتصال الثقافة المشرقية بالأندلس، ومن اقتداء الأندلسيين زمانًا بالكتاب المشرقي، في الوقت نفسه الذي كانت الأندلس تخرّج كبار العلماء والفقهاء والأدباء.