فهرس الكتاب

الصفحة 11629 من 23694

وقد يلحظ القارئ أن القرطاجني يلتقط هذه الشواهد من القرآن، ليدعم رأيه في المحاكاة، وأنه ككل البلاغيين العرب، واقع تحت سلطان النص الديني. فيعد ما وقع فيه من الأوصاف والمحاكاة قول صدق، حتى ينزهه عن الكذب، لأن الكذب عنده إنما يكون بالإفراط وترك الاقتصاد، وهذا يعلم من ذات القول فتقاس الحقيقة بمدى التطابق بين المعطى والعبارة المقولة فيه. وهذا الملحظ لا يسوق بالضرورة إلى القول إن القرطاجني يعد الأقاويل الشعرية المخيلة في رتبة أدنى من الحقيقة، كما نجد في بعض الدراسات التي تناولت نظريته (35) ذلك أن القرطاجني يميز بين الاختلاق الامتناعي والاختلاق الإمكاني. ومن اللافت أن يرد العلم بالنوع الأول وهو مالا يقع في الوجود وإن كان متصورًا في الذهن إلى خارج القول، وأن ينبه على أنه لا يقع في جهة من جهات الشعر العربي أصلًا، وإنما يقع في شعر غيرهم من الأمم. ومن الواضح أنه لا يسوغ هذا النوع من"الكذب"فيقول:"وكان شعراء اليونانيين يختلقون أشياء يبنون عليها تخاييلهم الشعرية ويجعلونها جهات لأقاويلهم، ويجعلون تلك الأقاويل التي لم تقع في الوجود كالأمثلة لما وقع فيه ويبنون على ذلك قصصًا مخترعًا نحو ما تحدث به العجائز الصبيان في أسمارهم من الأمور التي يمتنع وقوع مثلها... وقد ذمَّ ابن سينا هذا النوع من الشعر..." (36) . وأما الاختلاق الإمكاني فيسوغه لأنه يقع للعرب من جهات الشعر وأغراضه و"لا استدلال على كونه كذبًا من جهة القول ولا العقل" (37) . ولا يعاب من جهة الدين"وقد رفع الحرج عن مثل هذا الكذب أيضًا في الدين فإن الرسول (( ) كان ينشد النسيب أمام المدح فيصغي إليه ويثيب عليه" (38) . فادعاء الحب في النسيب مثلًا اختلاق إمكاني ما لم يخرج من حد الإمكان إلى حد الامتناع أو الاستحالة لأنه أمر يمكن أن يقع من الشاعر ومن غيره من أبناء جنسه (39) . وهذا الاختلاق هو فضلًا على ذلك مسنح لاقتناص المعنى وتهيئة لنفس المتلقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت