أما القول إن القرطاجني ينقل عن الفلاسفة فيأخذ مثلهم بالقياس والتقسيم الصوري ويعد الأقاويل الشعرية قسمًا من المقولات، فقول ينهض له أكثر من سند في"المنهاج"وتقوم له أكثر من حجة. وأما أن نتحفظ على هذا النقل فنقول إن فيه تعجلًا وسوء تقدير أفضيا بالقرطاجني إلى استنتاجات وأحكام تعوزها الدقة (30) ، فأمر يحتاج في نظرنا إلى تثبت وتوقف ذلك أن إغفال الجذر البلاغي في نظرية الشعر عند القرطاجني لا يمكن إلا أن ينتزع هذه النظرية من مساقها وأن يعدها مجرد رجيح من أقوال الفلاسفة. وعليه فالقول إن القرطاجني ينقل عمن سبقوه دون مراجعة وتدقيق فيتابع الفلاسفة في ربط الخيال الشعري بمقولتي الصدق والكذب ويعد الأقاويل الشعرية المخيلة في رتبة أدنى من الحقيقة، إذ التخيلات لا تكون في مرتبة البرهان والقياس (31) ، من شأنه أن يجعلنا نبتعد عن المنبت البلاغي لنظرية القرطاجني شططًا. وقد نبه القرطاجني نفسه على هذا الغلط فأكد أن الشعر لا تعتبر فيه مواده، وإنما ما يقع في مواده من تخيل، ونفى أن يقسم الشعر على أقوال برهانية وثانية جدلية وأخرى خطبية فـ"المقدمات كلها إذا وقع فيها التخييل والمحاكاة كان الكلام قولًا شعريًا". بل نحن نجده يرفض أن يكون الصدق والكذب من مقاييس تقويم الشعر"لأن الاعتبار في الشعر إنما هو التخييل في أي مادة اتفق، لا يشترط في ذلك صدق ولا كذب.." (32) . وعلى هذا الأساس فهو لا يرد المحاكاة إلى جملة كذب الشعر، بل يوقع الغلط على من يعتقد ذلك. وحججه في هذا الباب لا تخلو من طرافة، فحروف التشبيه لم توضع لتنهض بعقد الموازنة والقابلة بين المشبه والمشبه به فحسب، وإنما وضعت لأن تدل على الشبه من حيث أنه موجود" (33) . ومن ثم فالتشبيه عنده قول صادق ما أشبه شيء شيئًا"لأن الماء يشبه السراب بلا شك، والهلال شبيه بالعرجون القديم ولابد" (34) ."