فهرس الكتاب
ولم يكن ليكتفي بمنهج المناطقة فقد عزز أسلوبه أيضًا في البحث بالتجارب العلمية، ومنها تجاربه العديدة التي أجراها على الضوء، من ذلك أنه استخدم سراجًا ذا فتيلة غليظة جعله على مسرجة مرتفعة عن الأرض في بيت لا يدخله الضوء، وجعل بُعد السراج عن الحائط نحو ذراعين أو أقل، واعتمد عودًا دقيقًا قابل بل السراج، ومدّ العود فيما بين السراج والحائط فتشكل للعود ظلّ عريض على الجدار، كان يتسع عرضه كلما أبعد العود عن الجدار.
وقد أسهمت جهود ابن الهيثم في تطوير منهج البحث العلمي فإن الفضل يعود له في تجلية وشرح كثير من جوانب العلم اليوناني في الفلسفة والمنطق والهندسة والطبيعة والفلك والجبر والمقابلة وفي العلوم الدينية، مما ذلّل الطريق للعلماء الذين استندوا إلى شروحه في تمثيل هذه العلوم ودراستها، إذ كانت له آراؤه الشخصية في كثير من المسائل المتواترة عن أوقليدس وأرخميدس دون أن يبرهنا عليها، وكانت تحتاج إلى شرح وإثبات.
ومن المؤسف أن أكثر مخطوطاته فُقِدت، فمن ثمانية وخمسين تصنيفًا في الهندسيات وحوالي ثلاثة عشر كتابًا في الحساب والجبر والمقابلة، لم يبق منها الآن إلا واحد وعشرون كتابًا في الهندسة، وكتاب واحد في"حساب المعاملات"ومن بين أربعة وعشرين موضوعًا في البصريات بين كتاب ورسالة ومقالة لم يبق إلا اثنا عشر مصنفًا منتشرة في مكتبات العالم، ومن بين أربعة وعشرين تأليفًا في الفلك لم يصلنا إلا سبع عشرة مقالة، وفي الطب ألف كتابين فقدا اليوم، وله رسالة في تشريح العين، وله في الفلسفة والمنطق وعلم النفس والأخلاق والإلهيات واللغة ما يزيد عن أربعين مؤلفًا ليس منها اليوم إلا مقالته"في المكان" (8) . وإن المرء ليعجب كيف استطاع ابن الهيثم أن يصنف هذه المؤلفات العديدة في فسحة عمره المحدودة.