1 ـ بيان إمكان المشبه بإيراد التشبيه كبرهان له؛ كما في قول الشاعر:
"فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال"
فقد أراد الشاعر أن يثبت لممدوحه"أنه فاق الأنام وفاتهم (3) . إلى حد بطل معه أن يكون بينه وبينهم مشابهة ومقاربة؛ بل صار كأنه أصل بنفسه وجنس برأسه، وهذا أمر غريب، وهو أن يتناهى بعض أجزاء الجنس في الفضائل الخاصة به إلى أن يصير كأنه ليس من ذلك الجنس، وبالمدعى له حاجة أن يصحح دعواه في جواز وجوده على الجملة إلى أن يجيء إلى وجوده في الممدوح؛ فإذا قال: (فإن المسك بعض دم الغزال) ، فقد احتج لدعواه وأبان أن لما ادّعاه أصلًا في الوجود" (4) .
والأغراض الثلاثة الباقية يعود أمرها إلى الإيضاح والتبيين وتفهيم المعنى وتقريبه إلى ذهن السامع أو قلبه بأخصر بيان وأبلغ كلام؛ فإذا قال القائل:"هو كالراقم على الماء" (5) في تقرير حال من لا يحصل من سعيه على طائل، فقد أخرج المعنى من صورته المعقولة إلى صورة مشابهة لها محسوسة، ووضعه على مسرح الحس والعيان، وفي تبيين مقدار حال المشبه في قوله تعالى: (الزجاجة كأنها كوكب درّيٌّ (( 6) . ينتقل المخاطب والسامع من الوصف بالسماع إلى الرؤية بالأبصار، وهذا غاية في البلاغة والبيان، وكذا يحصل للسامع في بيان حال المشبَّه في قوله ـ تعالى ـ: (يوم نطوي السماء كطي السِّجل للكتب (( 7) . من تصور حال المشبَّه ووضوحه مالا يخلفه أي تعبير ولا يسد مسدَّهُ أي بيان.
وقد ذكروا من أغراض التشبيه أيضًا تزيين المشبَّه أو تشويهه أو استطرافه (8) ، ولا يخلو أي منها من إفادة بيان وتوضيح.
فتبين بما ذكرنا أن أغراض التشبيه كلها تدور حول محورين أساسيين:
الأول: استخدامه كبرهان لإثبات الحقائق.
الثاني: الاستفادة منه كأحسن أداة لنقل المعنى إلى السامعين بحيث يفهمونه في أول ما يلقى إليهم مقرونًا بالتشبيه.