فهرس الكتاب
غير أن ابن المستوفي لا ينهج في كل المواضع نهج علماء القراءات، في ما نراه من قولهم:"ولو قرأ قارئ كذا لكان صوابًا أو لكان وجهًا. بل يثبت الرواية التي يرى أنها تنسجم وسلامة المعنى واستقامته. من ذلك أنه يورد شرح المعري لبيت أبي تمام:"
بكيتك لمَّا مثَّل النَّاي بالهوى
"قال أبو العلاء: مثَّل"من قولهم: مثَّل بالرجل في القتل، إذا صنع به ما لا يحسن، مثل قطع الأنف أو الأذنين ونحو ذلك. وقد يكون التمثيل في غير القتل إلا أنه يريد به الأمر الشنيع. والمعنى: أنه جعله مثلًا يذكر، والغرض أن الهوى مثَّل به النأي، أي فعل به فعلًا قبيحًا، وكان من حق هذا الشاعر ألاَّ يبكي، وأنكر البكاء على نفسه لأنه ادعى أن الصدود في القرب مثَّل به، فكان ينبغي أن يسلبه ذلك". ثم ينقد هذا الشرح، فيرد ما تراءى له فيه من خلل إلى ضعف الرواية التي اعتمدها أبو العلاء، فيقول:"ويروى"،"بكيتك حتى مثَّل"ويروى"كأن لم يُمَثَّلْ لي". وفي النسخة العجمية:"بكيتك لمَّا مثَّل"ويروى"كأن لم يمثل لي"، أي اشتغلت في صدودك بالبكاء حتى كأنَّك لم تمثلي بالقرب عندي... [و] "مثَّلَ، إذا كان بمعنى صوَّر كان متعدّيًا بغير حرف. وقوله: مثل النأي بالهوى"، يعني به: فعلًا شنيعًا". ثم يضيف:"أي فرق بين الحبيبين، فكأن النوى مثَّل به البعد لأنه كان جامعًا لهم ففرقهم.... وقوله:"كأن لم يمثل لي صدودك"، كلام مستقيم، أي بكيتك في هذه الحال، كأن لم يصور صدودك في القرب فبكيتك إذّاك. أي كان بكائي في البعد أكثر من بكائي من صدودك في القرب، حتى كأنني لم أبك من الصدود في القرب". (19) . ... على قواصيه في بدءٍ وفي عقب (20) .