فهرس الكتاب

الصفحة 11867 من 23694

هذا وصف دقيق لكيفية قراءته للشعر واهتمامه به، وكان هذا التذوق في مرحلة مبكرة من حياة أبي فهر،"وقراءة العمل الشعري على هذا النحو ليست مرادفة للمطالعة العجلى التي يقصد بها إلى مجرد المتعة العابرة أو الاستطراف أو التسلية، كما أنها لا تعني استقبال ذلك العمل استقبالًا تلقائيًا نابعًا من الذوق الشخصي وحده، بل إنها ـ على العكس من ذلك ـ تقتضي جهدًا دؤوبًا في اكتناه علاقاته الإيقاعية والتركيبية والتصويرية ثم في محاولة النفاذ من هذه العلاقات إلى إيماءاتها النفسية والفكرية، ومن ثَمَ ترتقي عملية القراءة ـ عند مرحلة من المراحل ـ إلى مستوى النظر المنهجي المنظم، أو"فن تمييز الأساليب"، وهو عصب من أعصاب الدرس الحديث" (2) ، فعن طريق هذه القراءة المتأنية للعمل الشعري استطاع أن يرى الفرق بين إبداع الشعراء، وأن يميز بين أساليبهم، حيث صرح بذلك، فقال:"بهذا التذوق المتتابع الذي ألفته، صار لكل شعر عندي مذاق وطعم وشذا ورائحة، وصار مذاق الشعر الجاهلي وطعمه وشذاه ورائحته بيّنًا عندي، بل صار تميُّز بعض من بعض دالًا يدلني على أصحابه" (3) ، وهذه هي الغاية العظمى من تذوق الفن الشعري. ودارس الشعر العربي، عليه أن يراعي أن هذا الشعر"وليد بيئة، ونبت كيان، وله قِيَمُهُ وأنماطه، وجرى بمن يتصدى لدراسته، أن يقف عليه أولًا، وقوف المدرك المتثبت المتأمل، من غير أن يأخذ بلبه بريق المصطلحات،.... ويوم أن ننأى عن التبعية الفكرية، والانسياق الثقافي في غير ما تقوقع أو إحجام سيكون لنا المنهج القويم، والنظر الثاقب، والفكر الحر". (4) .

هذا ما ظهر عند أبي فهر عندما تناول هذا الشعر بالتذوق والدرس، لكنه لم يكن ـ في الغالب ـ يهتم بنشر آرائه حول هذا الشعر، مكتفيًا بتذوقه وحده بين أرفف مكتبته، وبما يبديه من آراء ـ تتصل باللغة والشعر ومعانيها ـ في حواشي الكتب التي حققها، وفي ثنايا بعض المقالات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت