ثم تبع المتكلمين الطبيب الفيلسوف أبو بكر الرازي (932م) ، الذي شيد صرح مذهب ذري مشهور يشمل فيه التركيب الذري الهيولى والخلاء بحيث يكون الجسم تركيبًا لهذين الصنفين من الذرات؛ فالأجسام عند الرازي تتألف من أجزاء الهيولى لا تتجزأ، ومن الخلاء تتخللها، وللأجزاء التي لا تتجزأ حجم، وهي أزلية، ويسمي الرازي الهيولى المؤلفة من أجزاء لا تتجزأ متفرقة، وقبل أن تتصور بصورة الأجسام والعناصر"الهيولى المطلقة" (5) .
ونفى المذهب الذري فلاسفة الإسلام الذين ذهبوا إلى أن الأجسام متصلة في نفسها، كما هي عند الحس قابلة لانقسامات غير متناهية. ونقصد بفلاسفة الإسلام الشيخين أبا نصر"الفارابي" (950م) ، وأبا علي"ابن سينا" (1027م) ، وغيرهم من المشائين الذين تابعوا أرسطو الذي استشنع قول القائلين بالجزء الذي لا يتجزأ.
وأما الإشراقيون كالشيخ المقتول"شهاب الدين السهرورودي" (ت1191م) ، الذي تابع أفلاطون، فذهبوا إلى أن الجوهر الوحداني المتصل في حد ذاته قائم بذاته غير حال في شيء آخر لكونه متحيزًا بذاته، وهو الجسم المطلق، فهو عندهم جوهر بسيط لا تركيب فيه بحسب الخارج أصلًا (6) .
ولقد ذهب المفكرون العرب المسلمون القدامى بصدد الجزء الذي لا يتجزأ إلى أربعة احتمالات:
أولها: كون الجسم المفرد مؤلفًا من أجزاء متناهية صغار لا تنقسم أصلًا أي لا كسرًا ولا قطعًا ولا وهمًا ولا فرضًا، وهو مذهب جمهور المتكلمين. وقيل لا تنقسم فعلًا ولكن تنقسم وهمًا وفرضًا، وهو مذهب طائفة من القدماء.
وثانيها: كون الجسم مركبًا من أجزاء غير متناهية صغار لا تنقسم أصلًا وهو ما التزمه بعض القدماء والنظام (845م) ، من متكلمي المعتزلة، وكان النظام بين متكلمي المعتزلة أكبر خصوم مذهب الجزء الذي لا يتجزأ، وقد دعت مهاجماته له أصحاب هذا المذهب إلى التفكير في أصوله وأرغمتهم على طلب أدلة تثبت أمام النقد.