شعر الحكمة إذن هو هذا التكثيف الفني لبعض الأفكار أو الأنظار أو التأملات التي كانت تخالط الشعراء في خلال التوهج الانفعالي..
شذور من الذهب في رمال من العاطفة.. قد تأتي شذرات وقد تتجمع على شكل عرق متصل منبث، يختفي ويغيب، إنها تأتي وجهًا آخر للحدّة العاطفية وترجمة"عقلية"لها.
وتتخذ هذه الحكم أشكالًا مختلفة..إنها لا تأتي عملًا عقليًا خالصة، ولا حقائق مجردة.. وإنما تكسبها قيمتها الفنية صياغة محببة، حتى تظل لها -مهما يكن حظها من العقل- صفة الشعر.
وكثيرًا ما نخطئ في تقدير شعر الحكم هذا في أدبنا العربي، وكثيرًا ما نحمل عليه دون تواصل معه وتعمق له.. إن الحكمة، في نطاق الشعر، هي فكرة يمازجها الانفعال، ثم تكسوها الصناعة الشعرية صورة فنية.. وعلى ذلك تتلاقى فيها عناصر الشعر جميعًا منذ أن يبدأ تجربة إلى أن يكون فكرة وعاطفة وصياغة.. ولكن تظل الفكرة هي الأظهر، دون أن يغيب العمل الفني، أو يخمد التوهج العاطفي.
والأمر واضح عند زهير في خاتمة معلقته.. فكرته نابعة من ذات نفسه وممازجة له.. وتعبيره من هذه الفكرة لم تفارقه الصورة الأدبية:
ومن يعص أطراف الزجاج فإنه
إن المتلقي أو المتذوق يظل دائمًا في نطاق الشعر.. ألم يكن من أروع الشعر قوله وهو يعرض هذه التجربة التي بدأت مع الأيام، وزادها تعاقب الأيام تعمقًا وألقًا: ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب
ألسنا نحتاج في كثير من المرات أن نسمع: ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
ومن يغترب يحسب عدوًا صديقه
بأكثر مما نحتاج أن نستمتع بهذه الصورة الندية الرائعة للركب المرتحل الذي أوشك أن يستقر. ... وضعن عصي الحاضر المتخيم
فلما بلغن الماء زرقًا جمامة
وعندما جاء النابغة يتحدث عن النعمان يكيل له المديح منفعلًا بموقف النعمان منه وموقفه من النعمان، مأخوذًا بماضيه، مأخوذًا كذلك بمعاناة الحاضر وتطلعات مستقبل هذه العلاقة. ... على شعث، أي الرجال المهذب