وحين ننظر في معلقة زهير في الجاهلية مثلًا نجد هذا الازدواج بين وقائع الحدث وبين التأملات فيها، بين العاطفة وبين الفكرة التي تصاحب هذه العاطفة، بين الحادثة وبين الأفكار التي رسبتها أو العاطفة التي استثارتها.. أن حديثه عن خصومات ما بين القبائل وعن الحرب لم يخل من هذه التأملات التي صاغها على شكل حكم.. وبعد أن أفضى بكل ذات نفسه عن ذلك، بعد أن تحدث وقص ووصف وامتدح صنيع السيدين اللذين تحملا الديات، وأنكر ما كان من صنيع"حصين بن ضمضم"الذي أبى أن يدخل في الصلح وأثار روح الثأر مرة جديدة -بعد أن أفضى زهير بكل ذلك، رجع يكثف الحادثة ويقطرها فكرًا أو تأملًا.. فانبجست عنده هذه الخاتمة التي استمالت فيها عاطفته مجموعة من الأفكار أو مجموعة من الأنظار.. إن التدخل العقلي في القصيدة جاء مرتين: جاء في عرض الحادثة مرة، ثم جاء في هذه الخاتمة أخيرًا.. وكانت الخاتمة فرصة لعبت تجاربه كلها لا في تجربة خصومة عيسى وذبيان وحدها.. ولذلك بدأها من نقطة المركز في الشاعر، من الذات، فتحدث عن حياته الطويلة وافتتح هذا الحديث بلفظة سئمت.. وعرض تجاربه التي كانت تنظر إلى المجتمع العربي وإلى تنظيم العلاقات بين القبائل على نحو هو أقرب إلى الحلم وإلى السلم وإلى الاقتداء... كما كانت تنظر إلى الإنسان العربي وإلى رسم سلوكية خاصة له هي أدنى إلى التعقل وتقليب السلامة.. ومن ذلك كله كانت أبياته (الومنات) التي كانت أكثر بداياتها: ومن.. ومن.. والتي اتخذت أسلوبًا أقرب إلى الصرامة، أسلوبًا يعادل صرامة الحق فيها، فكانت تتألف (بوجه عام) من أداة الشرط ومن فعل الشرط في مقدمة البيت، ومن جواب الشرط في خاتمة البيت، ليحكم هذه الحلقة الدائرة، ينثر خلال ذلك بعض التلاوين والتفاصيل تزين عمله الفكري وتمنحه الطابع الأسلوبي الخاص.