فهرس الكتاب

الصفحة 11955 من 23694

ـ لا غرابة، أبدًا، أليس الكميت يمدح في هاشمياته بني هاشم، وهم رهط النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فسيبرع حتمًا ويفوق قطعًا... لأنه وجد مادة النبوغ ولبس بُرد المجد ومَثَلُه كمثل إنسان يريد بناء بيت وكانت تعجزه مادة البناء، فلما وجدها وهي الآجر والجص فماذا يمنعه من أن يبني؟ لقد كان الفرزدق ضافي البلاغة في هذا التعليق الجميل، من طرفيها: المعنوي والتركيبي. فأما من حيث المعنى فحسن هنا جدًا إسراع الفرزدق إلى الإقرار بأولية الكميت إذ هو مدح آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإعلائه الإنصاف، ولم يجحد ولم يكابر، وأما من حيث التركيب فانظر كيف أدى معناه بهذه الصورة البارعة.. حتى لفظتا الجص والآجر وهما سوقيتان شبه عاميتين بدتا في مساق تعبير الشاعر الضخم متألقتين كالدرتين، لقد كانت بلاغة ضافية ـ حقًا على بلاغة ضافية، وكان لاشتراك القارئ ـ كما قلنا ـ متاع خاص، ولكون النص الأول من القطعة ملحوظًا لمع جديد.

وكأني بالعلامة الكبير"ابن القيم الجوزية"، رحمه الله كان مدركًا لهذا الفن وهو يروي هذه القطعة من الباب ذاته:

"... وسئل المتنبي عن قول امرئ القيس:"

كأني لم أركب جوادًا للذة

ولم أسبأ الزّقَّ الروي ولم أقل ... لخيليَ: كُرّي كَرة بعد إجفالي

فقيل له: إنه عيب عليه مقابلة سباء الزق الروي بالكر، وكان أحسن مقابلته بتبطن الكاعب جمعًا بين اللذتين، وكذلك مقابلة ركوب الجواد للكر أحسن من مقابلته لتبطن الكاعب. فقال: بل الذي أتى به أحسن؛ فإنه قابل مركوب الشجاعة بمركوب اللذة واللهو، فهذا مركب الطرب وهذا مركب الحرب والطلب، وكذلك قابل بين السباءين: سِباء الزِّق وسباء الرق". (7) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت