مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 55 و 56 - السنة 14 - نيسان وتموز"أبريل ويوليو"1994 - ذي القعدة 1414 وصفر 1415
فهرس العدد
دمشق والتّراث ـــ د.علي عقلة عرسان
دمشق والتراث: حالتان من تفجر العشق وعناقه، تخطران وتتماهيان وتنسربان في متون الوقت والقلب، من شفق الفجر إلى تناومات الغسق، ولا تنفكان عن الحضور وتفعيله، تجمعان المدى والزمن عند عتبة القلب ليزداد بصيرة وإبصارًا، وعبرة واستذكارًا. فإذا ذكرت دمشق ذكرت التراث، وإذا ذكرت التراث برزت لك دمشق بألف حلة قشيبة وحلة، وبألف ذؤابة مليسة وذؤابة، بينهما وجه جميل أصيل يعمق فيك معنى الحياة وحبها، ويقيمك معافى في أرض"الريف والحمامات والشهوات"بين ماء وثمر وقمر.
لا أعرف بداية موفقة تكون مدخلًا طيبًا إلى هذه الدارة البهية: دارة دمشق -التراث، وربما لهذا السبب أسلمت قياد نفسي للعشق، يقودني في مغانيها على هواه، فأنا المأخوذ من ناصية القلب، وفي مثل حالتي هذه يسقط كل عتب ولوم.
إن قلت متى بدأ تاريخ المدينة: هل مع الآراميين أم من قبلهم بعقود وقرون، فلا أصل إلا إلى ضمائم من تراث تشمخ به جبهة الحجر، وتسجله طرائق تسجيل البشر، يقول: منذ ما قبل التاريخ المكتوب كان لدمشق تاريخ. وإذا قلت إنها تعاصر الآموريين وتعتصرهم في خوابيها وتمتد إلى ما يقرب من زمن البابليين والسومريين، نهضت التلال الآثارية المحيطة بها -الغسول وسواها- محتجة على الإجحاف والتجاهل، معلنة حرب الوثائق على الظلم والجهل، رافعة أشرعتها المتماوجة في بحر الزمن لتؤكد تواصل التاريخ الحضاري للمنطقة وامتداده من الخطوات الأولى في سهل نطوف -قرب أريحا- في الألف العاشر قبل الميلاد وامتدادًا إلى تل حلف في الشمال الشرقي من سورية.