وهم يتفاعلون مع الحضارات والأمم والثقافات فيأخذون ويعطون بثقة وتفتح، وتبقى لهم شخصيتهم ودمشقيتهم، ويبقى لهم حضورهم الذي يمتد ما امتد بالإنسانية تاريخ وحضور حي، سواء باتجاه الشرق حيث كان زهو الفرس ومجدهم وحضور الهند والصين، أو باتجاه الغرب حيث أعطت الفتاة"أوربة"أخت القدموسيين وسليلتهم، للقارة الجديدة اسمها، وحيث هاجر إليها من نسل"الكادميين"الكنعانيين أو الآموريين عامة، أقوام أقاموا دعائم حضارة وثقافة لم تكونا بعيدتين بحال من الأحوال عن تأثير هذا الجزء من أرض البشر، الذي كان مهد الحضارة ولم يكن مجرد ملتقى للحضارات كما يحب بعض الغربيين أن يقول.
وهذا هيرودوتس يعيد لهذه المنطقة من العالم فضل نشر الميثولوجيا القديمة في اليونان ومن ثمة في الغرب كله، فيقول:"وأنا أقرر الآن أن ميلامبوس MELAMPUS -بمعنى الأسود القدمين- ذلك الرجل الحكيم الذي أوجد العرافة، قد تعلَّم من المصريين أشياء عديدة مختلفة، نقل منها إلى بلاد اليونانيين -بعد تعديل طفيف- ما يختص بديونيزوس، وأنا لا أومن مطلقًا بأن الاتفاق بين شعائر ديونيزوس في مصر وفي بلاد اليونان وليد المصادفة، وإلا لانسجمت هذه الشعائر مع طباع اليونانيين، وكان دخولها عندهم حديث العهد. ولن أقول أبدًا أن المصريين نقلوا هذه الشعائر عن اليونانيين، لا هي ولا غيرها من العادات، ولكن من المحتمل جدًا -كما يخيل إليَّ- أن ميلامبوس تعلم هذه الشعائر من كادموس الصوري، ومن أولئك الذين هاجروا معه إلى البلاد التي تسمى حاليًا: بيؤوسيا"1.
ويضيف هيرودوتس:"لم يعرف اليونانيون أصل واحد من الآلهة، ولا تاريخ وجودها القديم جميعًا، ولا ما هي أشكالها، لم يعرفوا ذلك إلا بالأمس وبالأمس القريب كما يقولون. وأنا أعتقد أن هسيودوس وهوميروس عاشا قبل عصري بأربعمئة سنة لا أكثر -نهاية القرن التاسع ق.م- وهما اللذان دوَّنا لليونانيين أنساب الآلهة وسمياها بألقابها... الخ"2.